يوجد حفنة قليلة من الممثلين والممثلات القادرين على فرض حضورهم على أسلوب المخرج مهما كان أسلوبه واضحاً ومميزاً للمتابعين، فحينما نفكر في فيلم The Dark Knight نتذكر هيث ليدجر أكثر من المخرج كريستوفر نولان، وحينما نتذكر The Shining يسطع أداء جاك نيكلسون رابطاً الفيلم باسمه أكثر من المخرج ستانلي كيوبريك، كيت بلانشيت أخذت فيلم Blue Jasmine لوودي آلن وجعلته فيلمها الخاص. لكن ما فعلته فرانسيس مكدورماند في فيلم Three Billboards Outside Ebbing, Missouri هو أكثر من ذلك بكثير، لقد ارتقت بفيلم متوسط يملك عدداً لا بأس به من العيوب، وجعلته من صفوة أفلام العام وأحد أكبر المتسابقين على جوائز المهرجانات.

يتحدث الفيلم عن ميلدريد، الأم التي خسرت ابنتها لجريمة قتل واغتصاب، والتي تحاول تحقيق العدالة لابنتها متخطيةً الشرطة. ولكي ننصف مخرج وكاتب الفيلم مارتن مكدوناه، فهو كتب سيناريو مثير للاهتمام في بدايته، وتفوق على أفلامه السابقة كفكرة رئيسية، لكن مع مرور الوقت ومرور المشاهد، بدأت تظهر عيوب الفيلم واضحة جلية، سواءً من حوارات متوسطة أو انعطافات غير منطقية في مسار الأحداث، وطوال ذلك الوقت، بقيت مكدورماند تقود الفيلم إلى بر الأمان بأدائها الذي يحمل في طياته أكثر مما يحمل الفيلم أجمع.

إن التمثيل مهنة صعبة، ولا تقتصر على إيصال الكلام المكتوب في النص بأفضل طريقة ممكنة، إن التمثيل يعني أن تعيش في جسد آخر، وترتاح كلياً في ذلك الجسد، تجعله منزلك وكأنك ولدت فيه، حركاتك، طريقة مشيتك، تعابير وجهك بل وحتى أدائك وظهرك للكاميرا، جميعها يجب أن تظهر بصورة طبيعية، غير متصنعة ومزيفة.

هذا بالتحديد ما قامت به فرانسيس مكدورماند، فهي تقوم بدور الأم التي خسرت ابنتها، ومن خلال هذا الدور تظهر مشاعر الغضب، وليس بشكل واحد، بل بعدة أشكال، فتارةً هو غضب هادئ وساكن، أشبه بالبركان الخامد، يخيم السكون على ميلدريد بطلة الفيلم وتتحول لوهلة إلى قاتل ذو دمٍ بارد. لكنها لا تلبث أن تنفجر، وينفجر البركان الخامد في داخلها، ولا يغمرها غضبها فحسب، بل يغمر جميع الشخصيات معها في المشهد.

ولا تظهر مكدورماند مشاعر الغضب فحسب، بل هي أم حنون تفيض بمشاعر الحب لأبنائها، وهذا الحنان المفرط بطبيعته، مكسور، ومن كانت ترعب الجميع مستشيطةً غضباً في مشهد سابق، تكسب تعاطف وشفقة الجميع في مشهد آخر. وكأنها شخص مختلف تماماً، محسنةً من نص مارتن مكدوناه المتوسط وجاذبةً جميع الأنظار لأدائها حتى تغطي عيوب الفيلم.

حتى أداء زملائها الممثلين وودي هارلسون، وسام روكويل يتحسن تلقائياً حينما تكون مكدورماند في المشهد، هي العنصر الشاذ البراق في فيلم يبهت في أحيان كثيرة، حينما يخلو المشهد من ظهورها تعود عيوب الفيلم إلى السطح، وحينما تترأس مكدورماند المشهد، تفرض حضورها وسطوتها، وتجعل أنظار جميع المشاهدين تتجه إليها، في العادة يقدم المخرجون الخدمات لممثليهم بإعطائهم أدوار العمر، هنا تنعكس الآية، ويصل مارتن مكدوناه إلى المحافل السينمائية لسبب ولسبب واحد فقط؛ فرانسيس مكدورماند.

مارتن مكدوناه
فرانسيس مكدورماند قدمت أداءً أكبر من الفيلم ذاته