رحم الله طه حسين فقد كان فلتة من فلتات الدهر في أدبنا العربي ، وإذا كانت له بعض آرائه الشاذة في شبابه والتي اعرض عنها كثير من الناس ولم يتقبلوها، واتهموه حينها برقة الدين فإن ذلك لا ينفي مطلقاً حبه الشديد وافتخاره بلغته وتراثه العربي العظيم ، بل ومحبته لدينه وفخره بما كَتَبَ عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته وكان يقول في حوار تلفزيوني معه عندما سُئل أي كتبك أحب إليك فقال : ما كتبته عن نبينا العظيم في كتابي على “هامش السيرة” (لأنني أودعت فيه عاطفتي الصادقة لحبي للنبي عليه الصلاة والسلام، أما كتابي الآخر الذي هو أثير على نفسي وأعتز به فهو “الوعد الحق” لأنه عن صحابة النبي رضوان الله عليهم) وكان معجباً أشد الإعجاب بسيدنا عمر، فقد كتب عنه وألقى محاضرة فيه هي من أعظم وأروع المحاضرات التي سمعتها باللغة العربية عنه.. و قد قال في نهاية محاضرته: ( إني لأعتذر اليكم أيها السامعون وإلى عمر من أن هذه الدقائق وهذا الحديث القليل الشاحب عن عمر لن يؤديه حقه، ولن تكفيه ساعات بل ولن تكفيه سنة كاملة..!!) هكذا هو طه حسين الرجل الأعمى ولكنه مبصر القلب مستنيره ...هذا الرجل التنويري الحقيقي في عصره لم يفته أن يستنير بضوء الإسلام ونبيّه العظيم وخلفائه الأجلاء ...ومن المضحكات وعجائب هذا الدهر الذي لا تنتهي عجائبه أن أحد المساكين الذين يتحدثون عن التنوير كان من المبهورين بطه حسين إلى حدَّ الهوس ، ... ولكن هذا المسكين يناقض طه حسين نفسه فيسخر من الحديث عن سيدنا عمر ويقول: مللنا من الأحاديث عن صاحب الثياب المرقعة..! يقصد سيدنا عمر رضي الله عنه مع أن المسكين لا في العير ، ولا في النفير ولكن الجو خلا له فباض وصفر ونقر ولكن في النهاية لن يتجاوز قوله قدر قبرة شاعرنا النابغة الذبياني.. ولن تنتطح حول هرائه عنزتنا ولا سخلتان.. ..

أعود إلى القول بأن طه حسين كان منفتحاً على الكون والحياة ، محطماً كل أغلال التكلس والخمول التي سببت ضموراً للعقل، وضموراً للوعي، والانحطاط الفكري، مما أحدث تقييداً للإبداع والنهوض، وإذا كان يرى أن روح الإسلام انطلقت وسرت في شرايين العقل الكوني في عصر الرسول وأصحابه، فإنه كان يرى أن العصر العباسي هو عصر الازدهار الفكري والعصر الذهبي لإنتاج العقل البشري أجمع… وهكذا فاننا نرى أن هذا الانفتاح وهذه الرؤية لدى طه حسين لم تزعزع من إيمانه بالله ولم تطفئ الضوء الإسلامي في داخله رغماً عن اطلاعه العظيم على فلسفات الشرق والغرب، وما نهله من الأدب الفرنسي، واللاتيني بكل ألوانه وأشكاله وفلسفاته..

ورغما ً عن صوته المجلجل الفخم الضخم ولسانه الذي لا يكف عن الحديث، بل والمشاكسة، فإنه عندما جاء معتمراً إلى مكة بدعوة من الملك فهد رحمه الله عندما كان وزيراً للمعارف، وذهب إلى المدينة لزيارة قبر الرسول التزم الصمت طيلة وقت زيارته إلا من الاستغفار والدعاء الخافت، وعندما سُئل عن سبب صمته عن الكلام فيما بعد قال : كيف أرفع صوتي في حضرة رسولنا محمد ألم يقل الله "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا صوتكم فوق صوت النبي "... الآية ، وإني لأخجل أن أرفع صوتي في حضرة رسول الله ..!!