ماذا لو كان الاتجاه عكس ما نتوقع؟

كشفت شركة «نتفليكس» لخدمات البث التلفزيوني عن زيادة في عدد مشتركيها خلال الربع الأخير من العام الماضي؛ بلغت 8 ملايين مشترك جديد، ليصل عددهم الإجمالي إلى 118 مليون مشترك.. واترك لكم حساب دخل الشركة، إذا علمنا أن الاشتراك الشهري للفرد يصل إلى 45 ريالاً!!

اللهم لا حسد..!

تعود بنا هذه الأرقام إلى تلك التنبؤات التي قالت بنهاية التلفزيون، وقبله قالت بنهاية الراديو، واليوم تكرر الأسطوانة ذاتها بنهاية الصحافة الورقية، وجميعها تركز على مستقبل الوسيلة وتهمل بقية العناصر مثل «المحتوى»، الذي بلا شك سيبقى ما بقي التواصل الإنساني والحاجة الغريزية لمعرفة ماذا يحدث.. نعم تتراجع أرقام التوزيع والمشاهدة لكن لا يمكن أن تنتهي مهنة الصحافة أو النهم لمعرفة ماذا ولماذا ومن وأين وكيف ومتى؟.

المحتوى هو الرهان مهما اختلفت الوسيلة، بدليل أن شبكات بث المحتوى التلفزيوني حسب الطلب أعادتنا إلى التلفزيون وغيرت سلوك آخرين يفضلون مشاهدتها عبر الأجهزة المحمولة واستقطعت من وقتهم ساعات.. وأعادت الحياة للإنتاج التلفزيوني.. فالممثل مع هذا الإقبال أصبح بعيداً عن الخطر، كما هو الصحافي الحقيقي الذي لا تعنيه الوسيلة ما دام قادراً على فرض مهنيته في السبق الصحفي وبقية الفنون الصحفية التي لا يجيدها غيره..

علينا أن نتأمل، كيف انقلب الإنترنت من تهديد للتلفزيون ومستقبله إلى منقذ له ورفيق لنجاحاته الجديدة.. ثم علينا أن نقيس على ذلك كل التنبؤات الحالية حول مستقبل المؤسسات الصحافية؟

المؤسسات الصحافية الناجحة هي التي تستثمر في المحتوى وتقاتل لتسويقه وحمايته.. لأنه باختصار هو طوق النجاة.. فقط «حدد جمهورك ثم اعمل على تلبية حاجاته واستثمر في ذلك مهما كلف الأمر».. وهي مرحلة صعبة بلا شك لكنها مبشرة للصحافيين الحقيقيين حيث ستفرز الصحفي المهني القادر على خلق محتوى منافس.. كما ستدعم تمسك المؤسسات الصحافية بالمهنيين القادرين على خلق قصصهم الخاصة.. وسيخرج بلا شك كل من استسلم للنظريات المتشائمة وكل دخيل على الصحافة.

ولو تأملت محتوى «تويتر» مثلاً فستجد أن المحتوى الذي تقدمه الصحافة الورقية هو المهيمن وأن المشتغلين في الصحافة هم في طليعة المؤثرين هناك.. ومثال ذلك التفاعل الكبير مع مقالات الرأي التي تنشرها الصحف.

يقول توري مونتيه، مؤسس موقع (ديموتكس): «أعتقد بأن أصعب نقطة في منظومة الإعلام اليوم هي تحديد الطريقة المناسبة لإخبار قصة معقدة ومشاركة أفكار صعبة عندما تكون الصيغة والتوزيع والاقتصاد ضدك».

إنها مسألة دقيقة جداً والتقاطها ليس بالأمر الهين لكنها الرهان الذي سيعيد للمؤسسات الصحافية وهجها بعيداً عن النظريات المتشائمة أو الأطروحات التي تنتظر الدعم المالي.. وبالتأكيد لو سألنا أحد قبل ظاهرة «نتفليكس» لقلنا له إن التلفزيون انتهى.