كان والدهم مرحاً عطوفاً اجتماعياً حتى تجاوز السبعين بقليل فانقلب فجأة: أصبح عابساً كأن في فمه ليمونة! مُقطّباً كأنما تأبط شرّاً، وصار يستثقل الناس بل لا يُطيقهم! حتى أولاده وشريكة حياته صاروا عنده أثقل من جبل! وزهد في الطعام ولزم غرفته! أشفقت عليه ابنته فعملت له (المرقوق) الذي يُحبه بلحم ضأن كالزبدة وخضار من لذته يذوب! دخلت عليه باسمة.. وضعت الطبق الشهي أمامه! قبّلت رأسه ورفعت غطاء الطعام وقالت: أبوي! هذا مرقوق زين مرّه طبخته لك بيدي! نظر لها شزراً وقال: لا تمدحي نفسك (اللي في القِدْر يطلّعه الملاس).. اطلعي! خرجت حزينة! أخبرت أمها بما قال! ضحكت الأم بحسرة.. قامت بعد فترة وقالت لأولادها: اجتمعوا في الحديقة وأناديه يجلس معنا! و(اشوف) هو أكل أم لا؟ دخلت غرفته بهدوء فإذا به جالس القرفصاء لم يأكل شيئاً! سلّمت فتمتم! أمسكت الطبق وقالت له بحنان: حبيبي تعال معنا في الحديقة جوها حلو يفتح النفس للأكل ويوسع الصدر! نظر لها شزراً وقال: أنا متضايق منكم وأنتم بعيدون فكيف أخرج معكم؟! قالت: يا كافي! قال: الباب!.. وأشار لها طارداً!.. خرجت وهي تغمغم: الله يقاصرنا ويقاصرك بالإحسان!.. بعد قليل زارهم ابنهم الكبير ومعه صغاره الذين يحبهم الشيخ، دخل قبّل رأس والده وقال: معي أولادي يريدون السلام عليك! رد وهو ينفض يده: الله لا يحيّيهم! خلَّهم مكانهم! قال: أبوي جئت أبرّ بك! رد: لا تبرّ بي، رح لأمك برّ بها! ومرة أخرى قال باقتضاب: الباب! وأشار لابنه يطرده!.. خرج الابن العاقل وهو يقول لاحول ولاقوة إلا بالله!.. صعبت عليه حاله فأسرع لأحب أصدقاء أبيه الذي يتصف بالمرح ويهش أبوه لمرآه ويبش، رجاه أن يحضر ليوسّع صدر والده! رحّب الصديق وقال: ومعي له بطاقة عرس! أخذه وأدخله المجلس! دخل الابن غرفة أبيه وقال: أبوحمد طال عمرك في المجلس غرضه يسلم عليك! رد الشيخ: يسلّم! قل له يروح! دهش الشاب وأضاف: ومعه لك بطاقة عرس! رد الشيخ: قال له يشقّقْها! ورفض استقباله!..

خرج الابن مُحْرَجاً وقال لضيفه: الوالد نايم! وقام بواجب الضيافة وأخذ منه بطاقة الدعوة التي يعلم أنّ والده لا يريد أن يراها ولا مجرد رؤية!.. قرأ الشاب كتاباً في طب النفس ليعرف حالة والده! وجد مرضاً اسمه (اكتئاب الشيخوخة)! قال يحدّث نفسه: هذا مربط الفرس! هذا مرض والدي الحبيب! صدق المتنبي:

(وَإذا الشّيخُ قَالَ أُفٍّ فَمَا مَــلّ

حَيَاةً وَإنّمَا الضّعْفَ مَلاّ

آلَةُ العَيشِ صِحّةٌ وَشَبَابٌ

فإذا وَلّيَا عَنِ المَرْءِ وَلّى

فلَذيذُ الحَيَاةِ أنْفَسُ في النّفْــسِ

وَأشهَى من أنْ يُمَلّ وَأحْلَى)

وقرّر أن يعالج أباه عند طبيب نفسي.. فاكتئاب الشيخوخة مُنتشر وسهل العلاج لكن الصعب إقناع الشيخ بقبول العلاج!.