في ثمانينات القرن الماضي كانت البدانه المفرطة من مشاكل الغرب الصحية ولم تكن عندنا إلا من النوادر. أما الأن فلم تعد البدانة المفرطة مجرد حالة شائعة في المجتمع، بل أصبحت وباعتراف منظمة الصحة العالمية مرضاً صحياً على غرار باقي الأمراض التي تتطلب علاجاً ومتابعة طبية للحدّ من مخاطرها ومضاعفاتها على صحة الإنسان. فالسمنة المفرطة هي أحد المسببات الرئيسية في تفاقم الكثير من الأمراض الخطيرة. أذكر منها بعض الأمراض على سبيل المثال لا الحصر:

1 - أمراض قلبية وعائية حيث يزداد معدل الوفاة بالأمراض القلبية الوعائية من 50 الى 100 % عن الأشخاص الطبيعيين.

2 - أمراض تنفسية حيث تتسبب بانقطاع التنفس أثناء النوم.

3 - أمراض استقلابية مثل داء السكري وفرط التوتر الشرياني.

4 - زيادة نسبة السرطان في الرحم والثدي والكولون والبروستات.

علاج السمنة المناسب لمن يعاني من فرط السمنة هو الجراحة. ولكن قبل هذا من الضروري معاينة المريض بشكل شامل بحيث تشمل هذه المعاينة تقييم وفحص الأداء الهرموني بشكل دقيق، وتحليل دقيق لطبيعة الحياة وعادات الأكل لدى المريض، كما يجب التحقق وتوثيق محاولات تخفيض الوزن السابقة. بعد انتهاء هذه المعاينة في حال كان المريض ملائماً للقيام بهذه الجراحة يتم إرساله لتقييم نفسي. ومع ذلك فقد سمعنا كثيراً عن عمليات لإنقاص الوزن، بعضها نجح ونتيجتها ملموسة فيما البعض الآخر لم يخسر إلا بعض الكيلوجرامات. هذه الإشكالية تطرح نفسها في عالم الطب لتفتح الباب واسعاً أمام شروط ومعايير طبية وحقائق مثبتة تكشف حقيقة ما يجري واختلاف النتائج بين شخص وآخر.

وبما أن البدانة المفرطة أصبحت حالة مرضية في تزايد مطرد، فقد دقت بأرقامها المخيفة ناقوس الخطر عالمياً، فتعالوا لنلقي الضوء على بعض النقاط المتعلقة بطبيعة الأشخاص الذين يتوجب عليهم الخضوع للعملية الجراحية لإنقاص وزنهم والشروط التي يجب اتباعها قبل الوصول إلى خيار العملية الجراحية.

يرتكز مرض البدانة على ما يُسمى "مؤشر كتلة الدهون" وهو كناية عن عملية حسابية بسيطة يقوم على احتساب الوزن بالكيلوغرام مقسوماً على مربع الطول بالأمتار. مثلاً، إذا كان الشخص يزن 100 كيلوغرام وطوله 1,70 متر نقوم بتقسيم 100 على 1.7 مربعاً فيكون 34,6 وقبل 10 سنوات كان مسموحاً إجراء عملية جراحية لإنقاص الوزن للفئة العمرية التي تراوح بين 18 و65 عاماً. أما اليوم أصبح الحديث عن الحالة الفيزيولوجية للشخص الذي يعاني من البدانة المفرطة بغض النظر عن الفئة العمرية. فهناك أسباب كثيرة مسؤولة عن البدانة المفرطة منها الوراثية، والمشاكل الهرمونية، والنظام الغذائي غير المنتظم والعادات السيئة في تناول الطعام، المشاكل الجينية التي تجعل من عمليات الأيض بطيئة جدًا.

هناك ضرورة للتمييز بين عمليات إنقاص الوزن والتجميل، فنحن هنا نتحدث عن عمليات طبية لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بعمليات التجميل. منذ عشر سنوات اعترفت منظمة الصحة العالمية بالبدانة كمرض وليس كحالة، وبما أنه أصبح مرضاً فهو يتطلب علاجاً وفق معايير وقواعد عالمية معينة. تصبح العملية الجراحية خياراً لازماً عندما يكون مؤشر كتلة جسم المريض مرتفعاً أي ما يعادل 40 كغم/ متر2 أو أكثر، وقد سبق للمريض اتباع نظام صحي غذائي، وممارس الرياضة بالقدر الكافي (سواء أكان قد سبق له استخدام أدوية لخفض الوزن أم لا)، ويعد خيارًا أيضاً للمصابين بأحد هذه الأمراض المصاحبة لداء السمنة: ارتفاع ضغط الدم، أو داء السكري، أو اختلال تحمل الجلوكوز، أو فرط الدهون في الدم، أو انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم. عندما تتم مناقشة طب السمنة الجراحي كخيار علاجي يجب على الطبيب إخبار المريض عن المضاعفات الجانبية بعيدة المدى مثل: احتمالية إعادة إجراء العملية الجراحية مرة أخرى، والإصابة بأمراض المرارة وسوء الهضم والامتصاص.

يمكن تصنيف العمليات في ثلاث مجموعات رئيسية: عمليات تخفض من قدرة الجسم على امتصاص الطعام وعمليات تُقيد قدرة الجسم على تناول الطعام وعمليات مختلطة بين الإثنين، ومنذ العام 2009 أصبح إجراء العمليات بالمنظار عوضًا عن العمليات المفتوحة الخيار المعتمد في المملكة العربية السعودية ومعظم الدول الصناعية حول العالم.

عمليات تخفض من قدرة الجسم على امتصاص الطعام:

  • عملية التحويلة البنكرياسية الصفراوية: يطلق على هذه العملية المعقدة عملية سكوبينارو والتي من النادر أن تجرى بالطريقة الأصلية، بسبب المشاكل المرتبطة بها خصوصًا في تسببها بسوء الامتصاص، وفيها تتم إزالة جزء من المعدة لخلق معدة أصغر حجماً يُوصل بالجزء الأخير من الأمعاء الدقيقة بحيث يتم تجاوز الاثني عشر والجزء الأول من الأمعاء الدقيقة المسمى بالصائم.

  • عملية تجاوز الصائم إلى اللفائفي: لم تعد هذه العملية تنفذ. كانت تنفذ كعملية لإنقاص الوزن للمصابين بالسمنة المفرطة من عام 1950م إلى عام 1970م وكانت تتم بفصل وإزالة ما يقارب كل الأمعاء الدقيقة ووضعها جانباً، بحيث يتبقى 30 سم إلى 45 سم فقط.

  • تجاوز المعدة (Gastric bypass): هذه الجراحة مناسبة لمن يعاني من فرط السمنة المرضية الحادة (مؤشرهم يزيد على 50) أو المرضى الذين لم تعطهم جراحة ربط المعدة النتائج التي كانوا يرجونها. هذه الجراحة معقدة وتتطلب مهارة أكثر لتنفيذها. من الممكن القيام بهذه الجراحة عن طريق التقنية المفتوحة والتي تتطلب فترة شفاء أطول أو تقنية تنظير المعدة. خلال هذه العملية يتم تقسيم المعدة بحيث يستخدم القسم العلوي من المعدة والذي حجمه أصغر من القسم السفلي للمعدة، على أنه المعدة الجديدة. ولهذا القسم العلوي يتم وصل الأمعاء الدقيقة وهكذا نتمكن من تجاوز القسم الداني والذي لديه قدرة على الامتصاص من جهاز الهضم. قد تحدث عدة مضاعفات نتيجة لهذه الجراحة وتشمل: تسرب من منطقة الوصل، نزيف أو تلوث. كما من الممكن أن تكون هنالك مضاعفات نتيجة اضطرابات الاستيعاب ونقص المواد الغذائية المهمة التي لا يمكن استيعابها. هذه المضاعفات تختفي عادة بعد عدة أشهر من القيام بالجراحة ولذلك فمن المهم القيام بمراقبة المريض من الناحية الطبية والغذائية

العمليات المُقيدة لقدرة الجسم على تناول الطعام:

العمليات المقَيِّدة بالدرجة الأولى تقوم بتقليل كمية الطعام المتناولة بالفم عن طريق تقليلها لحجم المعدة، دون اللجوء لتجاوز القنوات الهضمية حتى تستمر بالعمل، وبالتالي تُقلل من احتمالية حدوث المضاعفات الأيضية.

  • رأب المعدة برباط عمودي: أو بلفظ آخر عملية ماسون (Mason procedure) أو تدبيس المعدة، يتم تدبيس جزء من المعدة بشكل دائم لتكوين كيس قبل-مَعِدِيّ أصغر، ليعمل كمعدة جديدة.

  • ربط المعدة برباط قابل للتعديل أو تطويق المعدة القابل للتعديل (Adjustable gastric banding): تقييد المعدة يمكن أن يتم كذلك عن طريق وضع حلقة من السيليكون الرخو، 2 سم تحت نقطة ملتقى المعدة مع المريء، والتي يمكن تعديل حجمها عن طريق حقنه بمحلول ملحي أو سحب ما به من محلول ملحي عن طريق منفذ يتم وضعه تحت الجلد مباشرة. هذه الجراحة معدة للأشخاص الذين يتراوح مؤشر كتلة الجسم لديهم بين 35-50. يتم إجراء هذه الجراحة بشكل عام بواسطة تقنية تنظير البطن (laparoscopy). ترتكز فكرة هذه العملية على مبدأ بسيط وهو الحد من حجم المعدة مما يؤدي للشعور بالشبع حتى بعد أكل وجبة صغيرة مقارنة بالوجبات التي كان يأكلها المريض قبل القيام بهذه الجراحة. نجاح هذه الجراحة متعلق باستعداد والتزام المريض بتغير نهج حياته وعادات أكله. من المفضل أن يكون خفض الوزن بشكل تدريجي ومراقب في آن واحد (من الممكن أن يتراوح بين سنة حتى سنتين). من المهم أن نذكر بأنه كلما كان مؤشر كتلة المريض مرتفعاً (أكثر من 50)، نسبة فائض الوزن التي تقل هي أكبر عن طريق هذه الجراحة (حتى 50 % من الوزن الزائد) كما ترتفع نسبة نجاح العملية في حال اختيار المرضى المناسبين للقيام بهذه الجراحة، ووضع الحلقة في المكان الصحيح. تعد هذه العملية من أكثر العمليات أمانًا بمعدل وفيات يقارب 0.05 %.

  • تكميم المعدة: وهى من أكثر العمليات انتشاراً هذه الأيام. وفيها يتم تقليل حجم المعدة إلى ما يقارب 15 % من حجمها الأساسي، عن طريق إزالة جزء كبير من المعدة جراحيا، بموازاة قوس المعدة الأكبر. بعد ذلك يتم ضم الأجزاء المفتوحة معاً (عادة باستخدام دباسات جراحية، أو غرز، أو الاثنين معاً) حتى تصبح المعدة أشبه ما تكون بالأنبوب أو الكم على شكل الموزة. هذه العملية تصغر حجم المعدة بشكل دائم. تنفذ هذه العملية عن طريق المنظار، ولا يمكن إلغاؤها أو عكسها، وللعملية ما يُميزها: مع أن حجم المعدة أقل، إلا أنها تميل إلى العمل بشكل طبيعي يمكِّن من استهلاك أغلب أنواع الطعام بكميات صغيرة. تزيل هذه العملية الجزء المسؤول من المعدة عن إفراز الهرمون الذي يحفز الشعور بالجوع (هرمون الجريلين)، مع أن ثبات هذا الأثر لم يتم التحقق منه بعد. تقلل من احتمالية حدوث القرح المعوية. تقل فرص حدوث الانسداد المعوي، والأنيميا/فقر الدم، وهشاشة العظام، ونقص البروتين، ونقص الفيتامينات بشكل كبير. العملية فعالة للغاية كعملية أولية للمرضى ذوي مؤشر كتلة جسم عالي (>55 كغم/متر2). بعض النتائج المبدئية تبدو مبشرة لتنفيذها كعملية وحيدة للمرضى ذوي مؤشر كتلة جسم منخفض (35-45 كغم/ متر2). تعد خياراً مغرياً للمصابين مسبقاً بالأنيميا(فقر الدم)، أو مرض كرون، أو متلازمة القولون المتهيج (المعروف شعبياً بالقولون العصبي)، أو أي حالات مرضية أخرى تضعهم تحت خطر عال لا يمكِّنهم من القيام بعملية المجازة المعوية.

للتواصل مع مشرف الصفحة:عبدالرحمن محمد المنصورamansour@alriyadh.com

يرتكز مرض البدانة على ما يُسمى «مؤشر كتلة الدهون»
هناك أسباب كثيرة مسؤولة عن البدانة المفرطة منها الوراثية
وكذلك النظام الغذائي غير المنتظم