عندما انطلق سعدالله آغا القلعة عام 1985 ببرنامج "العرب والموسيقى" (أتمة 1992) - الموسيقى كلمة تعميمية كالعادة - في إنجاز مشروعه الإعلامي - الغنائي مقدماً التراث الثقافي العربي في حقل الغناء العربي، محصوراً في النصف الأول من القرن العشرين - فما بعده لا شيء عنده وسواه - عام1985، ثم أطلق مشروعه الآخر "نهج الأغاني" (1992)، فهو اتخذ مسماه من موسوعة "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني (القرن العاشر الميلادي)، واتخذ من مجال التلفزيون منفذه الأساسي. حاول دمج دراسة الهندسة والمعلوماتية بما درسه في المعهد الموسيقي بحلب حيث صار مدرس آلة القانون غير أن تحول التلفزيونات العربية إلى فضائيات وذلك بتبني قناة دبي لعرض حلقات مشروعه الثاني حيث حقق برنامج "أسمهان" (1996) عبر حنجرتها وشخصيتها ودورها السياسي والثقافي المتداخلين مشاهدة عالية غير أن ما انتهى إليه البرنامج كرس ذات الأوهام عنها!

ويمكن تخطي كل ما تخرف به من كتب مذكراتها مثل فوميل لبيب (1960)، ومحمد التابعي (1961) والدراسة الموضوعة من شريفة زهور (2002)، وطابور من الأجراء الذين أعادوا وبهروا ما كتب بالنقل والزيادة حتى يومنا هذا. ولأن القلعة من جيل وقفت معرفته وذائقته حتى منتصف القرن العشرين، فهو لا يرى في الثقافة العربية ما يستحق التأمل والتحليل، وذلك ناتج لأسباب واضحة، التعامل التقني مع المنتج الثقافي، والتفسير التاريخي (توثيق الإشاعات والأكاذيب)، وقد أطلق عام2017 قناة اليوتيوب الخاصة، ببرنامج ذي عنوان فضفاض "نحو نهضة موسيقية عربية جديدة" إما لاستعادة المشاهدة العالية - وما كان - لمقاطع من برنامج "أسمهان"، وإما لاستنفاد المعلومات التقنية والغنائية والتاريخية ونضوبها. وفي الشهر الحالي من هذا العام استكمل اختيارات عشوائية من أغنيات إما لإعادة تدوير المعروف وتقليبه ما فيه قسراً وإما لينفث فيها مما استقر من إشاعات وأكاذيب، وحدث عندما اختار أغنية "الأطلال" لإبراهيم ناجي ورياض السنباطي ليقيس المساحة الصغيرة من أول الأغنية حتى آخرها متناسياً أن معظم أغانيها من محمد عبدالوهاب وبليغ حمدي، ما عدا محمد الموجي، راعت المساحة المنغمة والموزونة من صوتها المتناقص مبكراً بصورة غريبة عما كان عليه في بداياته (الثلاثينات والأربعينات الميلادية)، وينتقل إلى أغنية "دقيت طل الورد" للشاعر سعيد عقل والأخوين رحباني المحشورة في استعراض غنائي راقص "ناس من ورق" (1972) لا ترابط بين حواراته وأغانيه، من أخطاء التجربة الرحبانية المستمرة حتى في مسرحياتهما آنذاك، والأغنية متميزة لكن حشد القلعة مصطلحات وألفاظ مضخمة ليقول: إن الأغنية جميلة كأنما للتو اكتشفها!

وماذا بعد؟.