المناخ والبيئة من المحاور الدائمة ولكنها تأتي هذا العام بنكهة مختلفة بوجود رئيس فرنسي منافح عنهما مقابل رئيس أميركي لا يكترث بهما بدليل انسحابه من اتفاقية باريس المناخية..

وهذا هو عنوان منتدى دافوس الذي سيعقد هذا الأسبوع في المنتجع السويسري الشهير والذي وصم عند نشأته بأنه مؤامرة امبريالية، فالاتحاد السوفياتي، رأى فيه آنذاك تكريساً للرأسمالية فارتاب في محاوره واجتماعاته. ينعقد المنتدى الاقتصادي العالمي في دورته الثامنة والأربعين لمدة أربعة أيام ويطرح جملة قضايا من سياسية واقتصادية وغيرها خلال أكثر من 400 جلسة يحضرها 70 من رؤساء الدول والحكومات و2500 مشترك من مائة دولة ويمثلون نخباً اقتصادية وسياسية وإعلامية واكاديمية ومديري بنوك ومصرفيين.

المنتدى أفرز كثيراً من الافكار الايجابية وليس مطالباً بحل المشاكل الدولية بقدر ما هو معني بمناقشتها بصوت مسموع. ولعل من تابع قمم دافوس الماضية، وما تمخضت عنه من آراء وأفكار وطروحات ومفاهيم وتوصيات، يجد انها كانت الاساس في صيانة مشاريع وبلورة رؤى لم تلبث ان أخذت مكانها على ارض الواقع.

التوقعات في عام 2018 وفق تقرير نشره المنتدى قبل أيام من انطلاقه، الى تنامي خطر نشوب مواجهات سياسية واقتصادية بين قوى كبرى وكذلك صراعات عسكرية وتداعيات التغير المناخي. المخاطر البيئية والتفاوت الاقتصادي والهجمات الالكترونية من القضايا التي ستأخذ حيزا من الاهتمام كون تأثيراتها لن تتوقف عند هذا البلد او ذاك. غير ان الملف الأكثر سخونة ويمثل قلقا حقيقيا ما يحدث في شبه الجزيرة الكورية والتصعيد الجاري ما بين الكوريتين ناهيك عما يثار عن احتمالية مواجهة نووية بعد التصريحات المتبادلة بين ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ. هناك من يرى ان المخاطر السياسية والاقتصادية والبيئية تتفاقم بسبب انحسار دعم التعددية التي تحتكم إلى قواعد وضوابط محددة لا سيما بوجود ظاهرة الرجل القوي صاحب الكاريزما في العالم. كما حذر التقرير من خطر نشوب مواجهات عسكرية جديدة في منطقة الشرق الأوسط.

المنتدى أصيب بوباء السياسة وطبيعي ان تهيمن على مجرى الاحداث، الا ان البعض يرى الا يفرط المنتدى في اتجاه السياسة وعليه ان يعي دوره الحقيقي والذي أنشئ من أجله في مناقشة هموم الاقتصاد العالمي وردم الفجوة ما بين الاغنياء والفقراء ومحاولة تقليص دور الحكومات عبر التخصيص وتوسيع حرية التجارة ومعالجة آثار التكنولوجيا المعلوماتية ليعكس دوره كضمير اجتماعي للاقتصاد العالمي. يُتهم المنتدى انه لا يعطي الفرصة لمشاركة الدول الاكثر فقراً مقارنة بالدول الاخرى، بالإضافة الى انه يعطي الشركات وضعاً يجعلها في مركز مؤثر على الحكومات ما يفسح المجال لعمليات الابتزاز والرشاوى والفساد.

عنوان المنتدى يجسد واقع الحال الذي يعيشه العالم. المنتدى يستشعر من خلال الحوارات المركزة والنقاشات المطولة ضرورة حل الخلافات من اجل الوصول لقواسم مشتركة ومستقبل مشرق للبشرية. العصف الذهني هذه المرة قد يكون مختلفا وقد يتحول الى تصادم معلن بين ما هو مطروح في الساحة الدولية من أهمية التعاون والعمل الجماعي وبين ما يطرحه البعض وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي ترامب بعدم جدوى ذلك ليصبح اسمه مرتبطا بالشعوبية. المناخ والبيئة من المحاور الدائمة ولكنها تأتي هذا العام بنكهة مختلفة بوجود رئيس فرنسي منافح عنهما مقابل رئيس أميركي لا يكترث بهما بدليل انسحابه من اتفاقية باريس المناخية وهي قضية قد تعكس إشكالية التعاون الدولي فضلا عن كيفية قبول رؤية ترامب الأحادية الذي قرر المجيء لدافوس من اجل الترويج للشركات الأميركية. قضايا المرأة ستكون حاضرة ولعل التحولات الاجتماعية في السعودية وما حققته المرأة السعودية من مكاسب حقوقية في تقديري سيكون مثار نقاش الكثيرين. الحضور العربي ما زال خافتا ولا يعكس الرغبة في التعاطي مع المستجدات، فكيف نكون مشاركين في حضارة عالمية مشتركة، والمشاركات خجولة وهشة واستغلال الحدث لتمرير رسائل سياسية ما زال مفقودا.

رسالة نبيلة يرسخها المنتدى غايتها تحقيق الامن والاستقرار في العالم، لكن الرسالة الاكثر أهمية هو في انسلاخ المنتدى من ثوبه العاجي النخبوي ونزوله الى القاع حيث معاناة الانسان!