تسمية الشعر الشعبي لا تعني مجرد الشعر العامي، فقد يكون الأخير غير ذائع ولا شائع، وبالتالي لا يوصف بأنه شعبي بل (عامي) فقط .. لأن الشعر الشعبي هو ما شاع على ألسن الناس وذاع..

وهناك بعض الشعر الفصيح الذي انتشر بين الناس، إما لأنه سار مسير الأمثال، لما فيه من حكمة سهلة، أو قول صائب، فهو أقرب إلى (الشعبي) من (الشعر العامي) الذي لم تردده الألسن ولم يتداوله الناس..

على سبيل المثال فإن هذه الأبيات الفصيحة تعتبر شعبية لأنها مما ردّدته الشعوب العربية على مرِّ العصور:

(لقد أسمعتَ لو ناديت حيّاً

ولكن لا حياة لمن تنادي)

(زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً

أبشر بطول سلامة يامربع)

(إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا)

(ولو أنّ كل كلبٍ عوى ألقمتُه حجراً

لأصبح الصخرُ مثقالاً بدينار)

(قُل لمن يدعي في العلم معرفة

عرفت شيئاً وغابت عنك أشياءُ)

(من راقب الناس مات هماًّ

وفاز باللذة الجسورُ)

(على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم )

( وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ

مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي

فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها

لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ)

(دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَل مَا تَشَاءُ

وطب نفساً إذا حكمَ القضاءُ

وَلا تَجْزَعْ لنازلة الليالي

فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ

وكنْ رجلاً على الأهوالِ جلداً

وشيمتكَ السماحة ُ والوفاءُ

وإنْ كثرتْ عيوبكَ في البرايا

وسَرّكَ أَنْ يَكُونَ لَها غِطَاءُ

تَسَتَّرْ بِالسَّخَاء فَكُلُّ عَيْب

يُغطيّه كما قيلَ السَّخاءُ

ولا تر للأعادي قط ذلاً

فإن شماتة الأعداء بلاء

ولا ترجُ السماحة ََمن بخيلٍ

فَما فِي النَّارِ لِلظْمآنِ مَاءُ

وَرِزْقُكَ لَيْسَ يُنْقِصُهُ التَأَنِّي

وليسَ يزيدُ في الرزقِ العناءُ

وَلا حُزْنٌ يَدُومُ وَلا سُرورٌ

ولا بؤسٌ عليكَ ولا رخاءُ

وَمَنْ نَزَلَتْ بِسَاحَتِهِ الْمَنَايَا

فلا أرضٌ تقيهِ ولا سماءُ

وأرضُ الله واسعة ً ولكن

إذا نزلَ القضا ضاقَ الفضاءُ)

(عجبت لمن يقيم بدار ذلٍ

وأرضُ الله واسعةٌ فضاها

فذاك من الرجال قليلُ عقلٍ

بليد ليس يدري من طحاها

فنفسك فز بها إن خِفتَ ضيماً

وخلِّ الدار تنعى من بناها

فإنك واجدٌ أرضاً بأرضٍ

ونفسك لن تجد نفساً سواها

مشيناها خُطى كُتِبتْ علينا

ومن كُتِبتْ عليه خُطى مشاها

ومن كانت منيّتُهُ بأرضٍ

فلن يموت فى أرضٍ سواها)

*

(لي في محبّتكم شهودٌ أربـعٌ

وشـهــودُ كــلّ قـضـيــةٍ اثـنـانِ

خفقانُ قلبي واضطرابُ جوانحي

ونحـولُ جسمي وانعـقـادُ لساني)

*

ومنه بعض الشعراء المنسوب لغير أصحابه ليأخذ فخامة واهتماماً بين الناس مثل:

تعلّق قلبي طفلةً عربيّةً

تنعّم بالديباج والحُلِي والحُلَلْ

لها مُقْلَةٌ لو أنّها نَظَرتْ بها

إلى راهبٍ قد صام لله وابتهل

لأصبح مفتوناً مُعَنّى بِحُبّها

كأن لم يَصُمْ لله يوماً ولم يصل

حِجَازِيّة الْعَيْنَيْن نَجْدِيَّة الْحَشَى

عِرَاقِيَّة الأطْرَاف رُوْمِيَّة الْكِفْل

تِهَامِيَّة الْأبْدَان عَبْسِيَّة الْلَّمَى

خُزَاعِيَّة الْأسْنَان دُرِّيَّة القُبَل..

فهي منحولة لامرئ القيس وهي ليست له بل ألفها هواة الطرب والحكايات التي يحلو تطريزها بالشعر، ونجد مثل ذلك في كثير من السير والقصص الشعبية مثل (الزير سالم) (ألف ليلة وليلة) (تغريبة بني هلال) (حمزة البهلوان)(الأميرة ذات الهمة) و (سيف بن ذي يزن) وغيرها كثير مما يدخل في باب (الفولكلور). فالشعر يسير بين الناس ويصبح شعبياً إذا ورد في ثنايا قصص شعبية ذائعة، أو دخل في قلب أغانٍ رائعة، سواء أكان فصيحاً نوعاً ما أو عامياً، فالعامي إذا تغنّى به المغنون سار على كل لسان، ولو فترةً من الزمان

وأمثلة الشعر الشعبي العامي كثيرة جداً في مجتمعنا لأنها جزء من موروثنا وتاريخنا الاجتماعي وواقع الكثيرين منا حتى الآن.

ومن الشعر الشعبي الشائع:

والى صفالك زمانك عِلّ يا ضامي

إشرب قبل لايحوس الطين صافيها

للأمير خالد الفيصل، ولابن لعبون:

ياعلي صحت بالصوت الرفيع

يامره لا تذبّين القناع

ولمحمد بن سرار الشهراني:

إن عشت يا راسي كسيتك عمامه

وان مت يا راسي فدتك العمايم

وغيرها كثير مما يدل على أنّ الشعر الشعبي هو ما شاع على الألسن وذاع.