لا أذكر سوى أننا كنا صديقات، ثم هبّت رياح السياسة علينا أيام الجامعة، فتبعثرنا على الجماعات الإيديولوجية المنتشرة آنذاك، حاولنا أن نحمي صداقتنا من اختلاف وجهات النظر لكن دون فائدة، أصبح التوتر والتراشق بالكلام هو الحاضر الأكبر بيننا كلما اجتمعنا، إلى أن مضت بنا الحياة إلى جهات لم نتوقعها.

العجيب أن تصلني اليوم رسالة من ابنة إحدى تلك الصديقات القديمات، شابة في الجامعة، تمرّدت على والدتها المبالغة في التّدين، والنضال السياسي تحت جناح أكثر الأحزاب السياسية تطرفاً في البلاد...!

بكاء مرير في كل كلمة وردتني منها، رغبة في الموت والانتحار انتقاماً من تلك الأم التي أرادت تجنيد ابنتها في صفوف من آمنت بإديولوجيتهم، قسوة لم أتوقعها من أم، فقد آمنت دوماً أن الأمومة غريزة، ولا يمكن للإيديولوجيا أن تنتزع عواطف الأمومة من قلب أم، ولا يمكنها أن تشوه حنانها وعطفها وتحوّلهما إلى قسوة وتسلط، ولكن الواقع قال غير ذلك، ويبدو أن الإنسان رجلاً كان أو امرأة قابل للانسلاخ من إنسانيته إن دُرِّب ضمن جماعة تخلط فيها المفاهيم الدينية بالإيديولوجيا، إنها أقسى طرق غسل الدماغ لتحويل أي شخص إلى ما يشبه الآلة...

ولعلّ أشد ما أثر فيّ وأنا أقرأ رسالة هذه الصبية كونها فقدت الثقة حتى في ربّ العالمين سبحانه وتعالى، واعتقدت أن الإسلام والمتدينين لا يمثلهم سوى والديها وأجواء بيتهم، وأن المعارف الدينية كلها ملخَّصة في وجهة نظرهما، وطريقة تطبيقهما للدين.

والحقيقة أن وضع هذه الصبية هو وضع جيل بأكمله، وأن موجة التطرف الديني التي عشناها على مدى نصف قرن، أنجبت فكراً مدمراً، دمّر صورة الإسلام السمح، وأنجب جيلاً أضاع حبل الإيمان، « فكُسِر وعُصِر» وأصبح معلّقاً في الهواء مثل ورقة في مهب الريح، جيل هش «لا غربي ولا شرقي» يبحث مجدداً عن هويته، وجدوى حياته، وهذا لا ينبئ بالخير، ما دام هذا الجيل لا يفرّق بين الدين كعبادة وكعلاقة خاصة جداً لا مثيل لها بين الإنسان وربه فيها روحانية عالية، والوسائط البشرية فيها ملغاة، وانتصار المؤمن فيها يكون باكتساب هذه الحرية الفريدة من نوعها، دون تسلط من أحد على أحد.

ألم يُرو عن أبي عمر سفيان بن عبدالله الثقفي حين قال: «قلت يا رسول الله قل في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، فقال : قل آمنت بالله ثم استقم» لماذا تركنا هذين البندين وذهبنا لتفاصيل غريبة عن الإسلام بالغ بعض البشر في نسبها لله عزّ وجلّ؟