لم يجانب الناقد والمفكر العربي الكبير جورج طرابيشي الصواب حين أعلن أنّ عصرنا هذا هو عصر الرواية وموسم الهجرة إليها إذ يقول: ".. واليوم اقتحم ساحة الرواية روائيون، وعلى الأخص روائيات، مجهّزين بتقنيات جديدة، وصادرين وصادرات عن رؤى جديدة، إلى حدّ يمكن لنا معه أن نقول إنّ الثقافة العربية نفسها دخلت منذ مطلع القرن الواحد والعشرين هذا في موسم هجرة جديد إلى الرواية".

ولعل هذا الرأي يؤكد أهمية الرواية وأنها قامت بتغيير وعي العالم المتمدّن وفق كولن ولسون الذي يعالج في كتابه المهم "فن الرواية" قضايا هذا الفن ويطرح فلسفته المتفائلة بخصوص مستقبل الرواية إذ يعلن بثقة رأيه في الرواية بقوله: "فنحن نقول إنّ دارون وماركس وفرويد قاموا بتغيير وجه الحضارة الغربية، ولكن تأثير الرواية كان أعظم من تأثير هؤلاء الثلاثة مجتمعين".

لكن السؤال المهم: أين تقف الرواية المحلية والعربية الآن؟ هل يمكن اعتبار هذا المدّ الروائي المتفجّر دليل عافية أدبية؟ هل يحفل المشهد المحلي تحديداً بروايات قابلة لأن تقف في مصاف تلك الروايات الفذّة التي تستطيع أن تقول بثقة: فعلاً لدينا روائيون حقيقيون أفذاذ؟ هذه خواطر وهواجس ثقافية تختلج في نفوس الكثير ممن يتابعون المشهد بفضول وترقّب لا يخلوان من حيرة، ولعلي أشير إلى حيرة أحد الزملاء الذين يملكون حسّاً ثقافيا جميلا ومتابعة لافتة حين طُلب منه إجراء حوار مع أحد الروائيين الذين أثارت روايته بعض الجدل، ولمست من هذا الزميل صعوبة المسألة وهو يعلن بضجر، المكابدة في إكمال الرواية لطولها والتمطيط الحاصل في ثنايا السرد الذي بات سمة مصاحبة لأغلب الأعمال الروائية التي تشهدها الساحة الثقافية.

تساؤل الزميل وشعوره بالخيبة يستحقان الوقوف عندهما، سيما إذا سلمنا جدلاً بأنّ مكمن العلّة ليس في طول الرواية أو قصرها، فروايات دوستويفكسي وتولستوي ومكسيم غوركي وجميس جويس وماركيز وغيرهم لا تزال مقروءة وملهمة حتى الآن رغم طولها المفرط، كذلك ليست العلة في قصر الرواية وتكثيفها فروايات مثل لاعب الشطرنج لستيفان زفايج أو الحمامة لباتريك زوسكيند وغيرهما الكثير عميقة ومتفردة ومن علامات الرواية التي لا يمكن تجاهلها حين تذكر الأعمال الإبداعية اللافتة. إذاً ما العلة في عزوف أو مكابدة قراءة مثل هذه الأعمال؟ لماذا لا تجد الاحتفاء والشغف بقراءتها إن كانت روايات حقيقية تستحق هذا الجهد والدأب في قراءتها؟

لا شك أن محاولة تفسير هذه الحالة تحتاج اشتباك حقيقي معها ومعالجة لا تتيحها مساحة كهذه، لكن في حالة هذا الزميل أستطيع القول إنّ ما أضجره من قراءة تلك الرواية هي ما يمكن تسميته بالزيف اللغوي والبلاغة المصطنعة التي أشار لها الروائي العربي وليد اخلاصي ذات حوار حين اعتبر أن البلاغة الحقيقية هي أن تكون اللغة مطابقة للحدث، وخارجة من المعنى بعفوية الولادة الطبيعية.

في النهاية يبقى العمل الروائي الحقيقي مرهون بالقدرة على بناء عوالمه ببراعة دون الوقع في فخ الثرثرة والتكرار والاجترار السردي الذي يجعل من النص جثّة كتابية مترهّلة، نصٌّ عاجز عن التطور والحركة، فالعبرة بالعُمق والأثر الذين يحدثهما العمل الأدبي أياً كان جنسه.