"كل زهرة تتفتح، يمكن القول إنها تفتح عيني، من غير قصد، وبدون أي فعل نابع من إرادة أي منا، أنا أو هي. بتفتحها فإنها تفتح شيئاً آخر يفوق ذاتها. إن الإحساس بذلك التفتح للخفي هو ما يدهشك ويمنحك النشوة". هكذا يعبر الشاعر الفرنسي فيليب جاكوتيه Philippe Jaccottet عن القوى الخفية التي تضمرها الطبيعة والطاقة التي تبثها بجزرها ومدها، بتفتح أرق كائناتها كالزهور وتبدل ألوان أخف كائناتها مثل أوراق الأشجار.

وبالمثل فإن الخريف يبدو صامتاً لكنه لايكف عن القول، يروي من خلال الشمس التي تحيل كل الخضرة لذهب ثم للأرجواني ثم تجيء الريح لتذرو كل ذلك الإبداع، تتغطى ممرات الغابات وأرصفة المدن بذلك الذهب الذي يتقصف تحت وقع قدميك، ويتشرب زخات المطر فيوحي بأنك تخوض في سجاد ناعم كثيف.. لكن ذروة حكاية الخريف تكمن في السواد، تسود الحياة في عروق الأشجار التي تقف عارية بشموخ.

تتوسع حواسك وتستحضر مما قيل من أشعار وما نُظِم من ألحان وأنت تتجول في خريف باريس. تنصت لخطواتك بينما تتحول التربة هنا للأصفر أو للوردي أو لفرط عقود يشب حين تذوب الأوراق وينحل لونها في لوحات تضاهي لوحات التجريديين الكبار، يصارحك الخريف بأنه لا حد لمخيلة الأشجار حتى وهي تلفظ آخر أوراقها استعداداً لبياتها الشتوي، شهور من التأمل تمارسه تلك الأغصان السود ناظرة لأعماقها، وتتساءل ما الذي تكتشفه تلك الجذور والأغصان ويدفعها لإعادة التورق والإزهار.. ما السر الذي تكشفه لها الحياة بأعماق الموت؟

للخريف مذاق لا كمذاق أيٍّ من الفصول، الخريف يصالحنا والموت، حين نشهد الأشجار تخلع خضرتها وتتهيأ للنظر للداخل، للموت الذي يبعث الحياة، يهمس الخريف بأنه بوسع كل الأشجار أن تتعرى وكل الزهور أن تقطع وتباع للهواة لكن ذلك لن يحول بين الربيع والاختمار في الموات والبعث من هناك، يطمئننا الخريف لقوة الحياة التي تمضي بدفع من هذا الصراع الذي لن يكف بين البعث والعدم، مثل طائر الفينيق الخرافي والذي ينبعث من رماده، وتجعلنا ندرك القوى الخارقة الكامنة في الضعف، ضعف الطبيعة وضعفنا نحن أبناء هذه الطبيعة الخارقة القوى.