هناك تجارب رائعة يمكن أن تخوضها كمتابع سينمائي، لكن لعل أحد أكثر هذه التجارب تفرداً وخصوصية، هي مشاهدة كاتب أو مخرج يعجبك ينمو ويتطور، أن تشاهده في بداياته وتبدأ العلاقة الصامتة بينكما تتضخم، تتوطد مع كل فيلم جديد، تتعقد وتتشابك، حتى تصل إلى المرحلة التي تبدأ بالفخر فيها بهذا الشخص حينما يأخذ الخطوة التالية بنجاح كاسح؛ فخور لأنك تحس بالانتماء تجاه هذا الشخص، لأنك كنت هنا منذ البدايات، وسوف تستمر قطعاً حتى النهاية.

هذا ما أحسست به أثناء مشاهدة فيلم Lady Bird للكاتبة والمخرجة غريتا غيرويغ والذي يستمر بحصد النجاحات واحداً تلو الآخر، واضعاً اسمه في مقدمة أفلام هذا العام للحصول على جائزة الأوسكار. عرفتُ غيرويغ في فيلم Frances Ha الذي مثلت فيه دور البطولة وقامت بكتابته مع المخرج نواه بومباك، ومن ثم في فيلم Mistress America. وقد تكون أكبر ميزة في هذه الأفلام هي طريقة كتابة بطلة الفيلم كشخصية وإتقان أدائها من قبل غيرويغ نفسها، فدائماً تشعر أنك تعرف الشخصية أو أنك تفهمها على مستوىً ما، تفهم انعدام ثقتها، خوفها من المستقبل، ضعف مهاراتها الاجتماعية، وفوق كل ذلك، تفهم صدقها. جاء فيلم "ليدي بيرد" لتغير غريتا من مكانها وتقف خلف الكاميرا، وتروي قصتها الشخصية التي تغمرك بكل نوع ممكن من المشاعر، وتجعلك ترتبط بما يتم سرده عليك ارتباطاً عميقاً.

يوصف فيلم "ليدي بيرد" بأنه فيلم شخصي وكأن هذا هو سبب نجاحه الوحيد، متجاهلين أن الأفلام الشخصية قد تكون سلاحاً ذو حدين، فشغف صانع الفيلم وهوسه الزائد عن حده بالقصة التي يرويها قد يجعل من الفيلم شخصياً لدرجة لا تطاق، لدرجة أن صانع الفيلم هو الوحيد الذي سيفهمه ويعلم قيمته الحقيقية، ولذلك، "ليدي بيرد" قبل أن يكون فيلماً شخصياً، قبل أن يكون أي شيء، هو فيلم صادق.

لا أستطيع إيجاد مصطلح أفضل من هذا، لأنني أثناء متابعة هذا الفيلم أحسست أنني أتحدث مع صديق يفهمني تماماً ويعلم كل ما لدي لقوله، وبالرغم من ذلك، فهو لا يمانع الجلوس وسماع ما يعلمه مسبقاً. في صميمه، فيلم "ليدي بيرد" هو عن قصة بلوغ سن الرشد، وهذا النوع من القصص قد يكون عادياً أو مبتذلاً أحيانًا، لكن غيرويغ تفادت الوقوع في هذا الفخ عن طريق إدراك أمر واحد، أن جميع قصص بلوغ سن الرشد متشابهة، وجميعها ليست بالضرورة مميزة، هذا الإدراك هو ما جعل نبرة الفيلم تصل إلى درجة كبيرة من الواقعية، ولحسن حظنا، توافق هذا الأمر مع الأداء الرائع لأبطال الفيلم "سيرشا رونان، لوري ميتكاف، ترايسي ليتس".

لقد تألقت غيرويغ خلف الكاميرا كذلك، فالمخرج لا يحتاج ليصنع لوحة فنية في كل مشهد أو أوركسترا ضخمة متناسقة ليبرهن على مقدرته، بل أحياناً يحتاج لخلق الجو المناسب للنص المكتوب، ليضفي بُعداً آخر ويبرر تحويل النص المكتوب إلى صورة. لقد صنعت غريتا فيلماً مفعماً بالحياة والحنين، مفعماً بالحزن والصراعات، فيلماً يجعلك تفكر في الماضي والمستقبل على حدٍ سواء، والأهم من كل ذلك، أنها لم تهتم بجعل القصة التي ترويها مثالية.

غريتا غيرويغ