بالفصيح

المعركة البشعة

قال لي: سمعت أحدهم يقول عن زميله: فلان طرطور وكذاب.. ولا يفهم شيئاً لا في علوم الدنيا ولا الآخرة. وانه طبل له رنين وجلبة، وباطنه فارغ أجوف. وراح يلقي محاضرة طويلة على آذان سامعيه في فنون الشتم والغيبة، ولم أشأ أن أقول شيئاً ولا أعلق على شيء.. واكتفيت بالسماع والتفرج على معركة الطعن والتجريح وسماع صوت السكاكين في ظهر ذلك المسكين.. ثم ادركتني تلك العادة السيئة من الحماسة والاستجابة للاستفزاز.. فقلت: يا أخي هذا لايجوز.. لسبب بسيط وهو أن الرجل ليس حاضراً كي يدافع عن نفسه ونسمع رده على تهمك.. واستماعنا لشتمه هكذا هو مشاركة في نهش لحمه وأكله.. والأجدر بنا جميعاً أن نكف عن الكلام والسماع.

فتبسم وقال: مرحباً بالواعظ الجديد، والزاهد في الدنيا وأعراض الناس.. ثم متى كان لصاحبنا هذا عرض كي نطعنه ونأكله.. الرجل يعترف بكل ما يقال فيه ولا يغضب منه، وهو متعود عليه.. فلماذا تغضب بالنيابة عنه..؟ ثم هل لديك وكالة شرعية في الدفاع عن عباد الله حقاً أو باطلاً..؟

قلت في نفسي لا حول ولا قوة إلا بالله.. لقد وقعت في المحذور من غير شك.. ووجدتني عاجزاً عن الرد، وأن اللغة لن تستطيع أن تأخذ حقاً أو باطلاً من هذا المغتاب الخبيث.

وقلت الصمت خير من محاورة هذا الأرعن، وانتبذت مكاناً قصياً من المجلس ورحت أشغل نفسي مع صاحب لي بحديث مختلف لعله يشغلني عن هذا المغتاب المشاء بنميم.

غير أن صوته علا.. وضحكاته صارت تفرقع فوق رؤوسنا استخفافاً بحرمة العرض، واستهجاناً بالموعظة الحسنة في عدم اغتياب الناس وأكل لحومهم.. وهممت أن اخاطبه بما يليق به فأخلع حذائي وأحذف به وجهه وألطم فمه.. ثم أصابني وبشكل مفاجئ نوع من الاحباط والهبوط.. ليس بسبب العجز عن مواجهة هذه الحالة الفاسدة والرائحة الكريهة.. بل بسبب صمت البقية الذين راحوا يستمعون في لذة واستمتاع.

أدركت لحظتها أن الذنب ليس ذنب ذلك اللئيم رديء الخلق ووضيع النفس، وإنما الذنب ذنب أولئك الصامتين.. فهم الجمهور الرديء أمام المشهد الهزلي.. هم الذين بصمتهم وإصغائهم وربما باستمتاعهم من شجعه على التمادي في تشريح جسد ذلك الغائب المسكين.

وصارت المعضلة أمامي معضلتين.. ووجدتني حائراً بين جهتين: المهرج السمج، والجمهور المنافق.. لحظتها صحت بالجميع أليس فيكم عاقل..؟ أليس فيكم نخوة..؟ أليس فيكم حمية..؟ يؤكل لحم أخيكم طرياً حياً أمام أعينكم وأنتم صامتون!! إنكم في الحقيقة تشاركون في مأدبة الأكل هذه.. بل أنتم صناع هذه المأدبة المنتنة..!! في هذه الليلة المتدثرة بالبشاعة..

لكنهم ابدا لم يصغوا لخطابي!! كان بعضهم جالساً وبعضهم متكئاً على الآخر في ارتخاء واستمتاع..

وبشكل مفاجئ وبطريقة مسرحية غير مرتبة وغير متوقعة دخل الرجل المغُتاب.. فقفز الجميع له هيبة واحتراماً وإجلالاً..!! قال صاحبي: لحظتها نهضت ثم سوّدتُ على وجوههم وخرجت..












التعليقات

1

 تركي العبدالله

 2018-01-19 16:15:08

لا وجود للقيم في مجتمع يرزح تحت وطأة رواسب إجتماعية لطالما قيّدته. لا ريب إذن أن الحل لهاته الرواسب يتصل في المقام الاول بتغيير جذري للحالة الثقافية و الاقتصادية و الاجتماعية بشكل أساسي

2

 م شكري

 2018-01-19 16:09:43

وجود هذه الافه قديم جدا ، "فضاوة المجتمع" تقود إلى هاته الحالة و لا يمكن المرور على هذه الافة دون الحديث عن ما جُبل عليه المجتمع للأسف، لا يمكن البحث عن حل دون التطوق الى الاسباب المفضية اليها، هذا واقع الامر للاسف

3

 فارس الفارس

 2018-01-19 16:06:20

هذه معضلة حقيقية يعاني مجتمعنا مع كل أسف، و إن أنكرها غالبيتهم. الحل التصدي بوضوح لهؤلاء للحد من تفشي ذلك.

4

 عبير

 2018-01-19 16:06:12

نعوذ بالله من الغيبة و النميمة و نرجو الله ان يهدي المغتابين.

5

 تركي العبدالله

 2018-01-19 16:02:22

اتمنى ان يوزع هذا المقال على العديدين..هذه ظاهرة متفشية في المجتمع للأسف و آخذة في الإتساع

6

 معجب المطيري

 2018-01-19 15:56:15

يا ليت المقال يوزع على الكثيرين. احسنت كاتبنا...كثيرون هم على هذه الشاكلة

7

 ابو خالد عماد

 2018-01-19 15:55:30

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يقول الله (وَيْل لكل همزة لمزة)

8

 فهد المعجل

 2018-01-19 15:53:37

جمعة مباركة كاتبنا، مقال رائع كعاتدك.

9

 علي ابراهيم

 2018-01-19 15:50:54

اكل لحوم الناس اصبح شي طبيعي والسبب الفراغ والانصراف عن الدين

10

 خالد التغلبي

 2018-01-19 14:22:45

.. المشكل ليس في هذا "الأرعن".. بل "المشكل" في هذه "البهائم" التي تستمع له..؛ لأن الغنم إذا سمعت حادي الراعي، ونعيق الراعي بها فإنها تأنس لصوته، وتستجيب له، وتنقاد إليه، فتجيء إلى هذا "الأرعن" وهو يدعوهم إلى الأكل معه في لحم أخيهم؟!!
..؛
هنا نقول لك: يا أستاذنا الأديب.. كيف يستجيبون وهم يوصدون الأبواب في وجهك من البداية؟! كيف يتبعونك وهم يأمرونك بالسكوت قبل أن تتكلم؟! وكثير منهم يقولون نحن نعرف ما تريد أن تقول ونحن سمعناه قبلك، ولكن لا فائدة، لا تحاول معنا؟!!
..؛
السؤال المطروح "المذبوح" أرضا.. ما هو العمل..؛ أو بالأصح و"بالفصيح".. ماذا نعمل مع هذه الفئة منً هؤلاء "البهائم" أن وجدناهم في حياتنا أو مجالسنا؟؟
..؛
ختاما..؛ ((إنّٓ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كان عَنْهُ مسؤولا))..؛ ((أولئك كالأنعام بل هُم أضلّ أولئك هُم الغافلون))..
..؛
لاعدمتك أبا عبدالعزيز ..؛

11

 خالد التغلبي

 2018-01-19 14:20:22

.. المشكل ليس في هذا "الأرعن".. بل "المشكل" في هذه "البهائم" التي تستمع له..؛ لأن الغنم إذا سمعت حادي الراعي، ونعيق الراعي بها فإنها تأنس لصوته، وتستجيب له، وتنقاد إليه، فتجيء إلى هذا "الأرعن" وهو يدعوهم إلى الأكل معه في لحم أخيهم؟!!
..؛
هنا نقول لك: يا أستاذنا الأديب.. كيف يستجيبون وهم يوصدون الأبواب في وجهك من البداية؟! كيف يتبعونك وهم يأمرونك بالسكوت قبل أن تتكلم؟! وكثير منهم يقولون نحن نعرف ما تريد أن تقول ونحن سمعناه قبلك، ولكن لا فائدة، لا تحاول معنا؟!!
..؛
السؤال المطروح "المذبوح" أرضا.. ما هو العمل..؛ أو بالأصح و"بالفصيح".. ماذا نعمل مع هذه الفئة منً هؤلاء "البهائم" أن وجدناهم في حياتنا أو مجالسنا؟؟
..؛
ختاما..؛ ((إنّٓ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كان عَنْهُ مسؤولا))..؛ ((أولئك كالأنعام بل هُم أضلّ أولئك هُم الغافلون))..
..؛
لاعدمتك ..؛

كأني قرأت نفس الموضوع في مقال سابق في نفس الجريدة وأما المعارك البشعة بعض الإعلام العربي شال عن سفهاء القوم هذه المعارك أستغلوا إعلام من عزمي بشارة لدول الخليج وشيطنوا كل محافظ فاصبحنا عند بعض الإعلام العربي اعداء للأوطان وعملاء للخارج

13

 محمدالسالم

 2018-01-19 06:30:24

يا سيدي لا تستغرب في زمننا هذا،الإمامين ولوصوليين مع الأسف ماتت الأخلاق والقيم

14

 سلطان الغامدي

 2018-01-19 06:19:42

مع الأسف الشديد هذه حال بعض السيئين في مجتمعنا. فلاحول ولاقوة الابالله





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع