يمثل نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب لما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الانتهاء من إجراءات نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس خلال عام مؤشراً مهماً يشكل نقطة بيضاء في صفحة سوداء رفعتها بلاده ملغية بذلك معاهدات ومواثيق وقرارات دولية وأي محاولات مستقبلية لإنعاش أي أمل في السلام في الشرق الأوسط.

هذا النفي تزامن مع مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي احتضنته القاهرة بمشاركة واسعة ضمت قيادات سياسية وشخصيات تمثل الأديان السماوية والذي أكد على أهمية استعادة الوعي بقضية القدس وهويتها العربية والمسؤولية الدولية تجاهها، كما دعا إلى ضرورة الوقوف في وجه جميع الممارسات الإسرائيلية التي تستهدف تهويد القدس وطمس تاريخها العربي.

الرئيس الفلسطيني كان واضحاً في دعوته المجتمع الدولي للقيام بمسؤولياته لتفعيل عشرات القرارات الصادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث أثبتت الأيام عجزه عن تنفيذ ولو قرار واحد يعيد الحقوق لأصحابها منذ وعد بلفور المشؤوم وحتى يومنا هذا.

العرب والمسلمون مطالبون أكثر من أي وقت مضى بضرورة وضع استراتيجيات قابلة للتطبيق للتصدي للغطرسة الصهيونية، واستغلال مشاعر التعاطف وحالة التنديد بالقرار الأميركي الجائر الذي يمنح سلطات الاحتلال غطاءً لمواصلة اعتداءاته على الإنسان الفلسطيني والمقدسات في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

الخطاب الإعلامي العربي والإسلامي يجب أن يرتقي أولاً إلى مستوى القضية بعيداً عن الإثارة ولغة التهديد والوعيد التي لم تجد خلال عقود طويلة سوى خيبات أمل متلاحقة هزت الوجدان العربي والإسلامي، يضاف إلى ذلك اهتمام بثورة وسائل التواصل لمخاطبة الشعوب بالمنطق وتفنيد جميع الادعاءات الإسرائيلية بالحجج في قوالب تتواءم مع طبيعة المتلقي لا بما اعتدنا عليه من خطابات متشنجة ساهمت في تحويل الظالم إلى مظلوم وقلب المفاهيم.

ما يدركه الجميع أن الإعلام سلاح لم ينجح العرب مطلقاً في استخدامه في مختلف قضاياهم حيث اكتفوا بمخاطبة أنفسهم والترويج لأفكارهم في بيتهم الكبير الممتد من المحيط إلى الخليج، وهو الأمر الذي يحتم تغييراً جذرياً في نمط إدارة الأزمات إعلامياً لتشكيل رأي عام أوسع نطاقاً وأكثر تأثيراً لاستعادة حقوقهم وتشكيل قوى ناعمة دولية تناصر قضاياهم وتفتت دوائر الضغط التي رسمتها إسرائيل في دول الغرب والشرق خدمة لأجندتها على حساب كل قيم الإنسانية والسلام.