لم يخضع الرجل العربي قبل توحيد المملكة واستتباب حكمها إلى بيئته، بل أخضعها لقوته وجبروته وصموده، إلا أنها صبغته بصبغة عتيدة لا مثيل لها بين سكان العالم؛ إنها الصورة النقية للإنسان الفطري البِكر، الذي لم تلوثه الحضارات المتلاحقة عليه..

ماض قريب يترك في نفوسنا كثيراً من التساؤلات عن رجل الصحراء (البدوي في الجزيرة العربية) وإذا ما تأملنا سلوكه في محيط البيئة المشكلة له، وجدنا منهجاً فلسفياً نخرج به ليشكل لنا ثقافة واسعة عن أجدادنا وفلسفتهم وطرائق تفكيرهم فهم أناس ليسوا عاديين، إنهم هم ذلك الإنسان فوق العادة!

فعاداته وتقاليده يحكمها طابع خاص تحكمه البيئة والمناخ والتلاحم العشائري، إنه عالم أسطوري يصنعه بيده، فيحيا سعيداً مستمتعاً، وليس شقياً أو تعساً كما صور لنا أولئك الرحالة المستشرقون، أو قل كما نعتفد نحن، ونحن على بساط المدنية والتحديث.

هل تأمل أحدنا ذلك الطقس الأسطوري عندما يهطل المطر على بيوت الشعر؟

حينما يهطل المطر تبدأ بيوت الشعر تسرب المياه، يخرج البدوي في جماعات ذكوراً وإناثاً يحملون الهراوي الغليظة، ثم يبدؤون في ضرب بيوت الشعر من الخارج، وهم ينشدون أغانيهم التي يحفظونها بقصيدة مطلعها (كن يا بيت الشعر كن) اعتقاداً منهم أن بيت الشعر سيستجيب لهم ولأغانيهم فيكفكف المطر، والغريب في الأمر أن بيت الشعر يستجيب ويكفكف ما يهطل عليه.

هذا الطقس الأسطوري ليس عملاً سحرياً، أو تميمة تكف المطر، لكن الأمر ببساطة هو أن بيت الشعر مصنوع من صوف الماشية ومع ضرب الهراوي يشتد فيكف تسرب المياه!

والقضية ليست في التحقق من معرفة الطقس وكُنْه الحماية من الماء، وإنما فيما يحدثه هذا الطقس من تحول من التعاسة إلى سعادة! فإذا ما نظرنا في بداية هذا العمل الجماعي سنجد أن هناك كثراً من الجمال والبهجة تحيطه بالرغم من قسوة الطبيعة وهجومها عليه. فخروج الناس في عمل جماعي هذا أمر يبعث على الأنس من وحشة الصحراء، كما أننا لو نظرنا من أعلى الصورة على مشهد ضرب الخيام لوجدنا صورة رائعة الجمال بعنصريها الإنسان والطبيعة متحدين غير متنافرين وهذا أمر يدعو للتأمل في كنه الشخصية العنيدة الجبارة المروض الماهر للطبيعة! كما أن تلك الأغاني الجماعية في جرس متناغم بينهم وبألحان متفق عليها تحول حالة الهلع من تلك الهجمة إلى عرس غنائي مثير للدهشة!

أما بيوت الشعر المتناثرة في غير انتظام فهي ما تعكس حب البدوي في التمرد على الطبيعة، فيقف لها نداً يحيك منزله من صوف أغنامه، متحدياً عواصف الصحراء الهوجاء وغزارة الأمطار إذا هطلت، أما إذا كف المطر، وسطعت الشمس الحارة والملتهبة في فصل الصيف، فإننا نجدهم يتناثرون تحت الأشجار التماساً لظلها.

إنها مضارب البادية، تتناثر كما قلنا في غير انتظام، فلا حجب ولا أسوار وهو ما يعكس موقف البدوي ضد الطبيعة، كما أن هذا التناثر دون سور أو حجاب «ترجمة» لمدى الترابط القبلي، الذي تحكمه الطبيعة، فهم أسرة واحدة.. وبيت واحد، لا تفصله فواصل، ولا حجب، ولا أسوار.. هذا التلاحم يظهر في عادات وتقاليد البدوي، وفي شكل احتفاليات تؤدى في المناسبات، أو طقوس في أيام الشدائد، إنه الترابط القبلي الذي يظهر في الدفاع ضد المعتدي، أو غزوات طلباً للماء والمرعى، إذا شحّت عليهم الطبيعة بذلك.

ولبيت الشعر حرمته وقوانينه، وله حِمى أيضاً، فهذا الحِمى يقدر برمية عصا من رجل شديد المنعة. وعادة الدخيل من العادات التي تكشف لنا حِمى البيت، فنحن نستخدم كلمة: «أنا دخيلك» في يومنا هذا، وبيت البدوي مأوى لكل عابر سبيل وكل هارب أو مستجير، وعلى سبيل المثال ما نراه في عادة الدخيل، هو من يهرب من مطاردة ما مِن قِبل عشيرته، فإذا دخل في حمى البيت، وهي رمية عصا كان في رحاب صاحب البيت وعشيرته، ويأتي ذلك باستدعاء رجل قوي لرمي العصا وقياس المسافة التي كان بها لحظة الإمساك به أو إصابته، أما لو كان أصيب في دائرة البيت فذلك يقضي بأن الرجل مقابل أربعة رجال من العشيرة التي تحملت الجرم، وسُمي «الرد المربع» ولعلنا نسمع المقولة التي تتردد في يومنا هذا، وهي: تأخذ حقك مثلث ومربع. ومصدرها العرف القبلي «الرد المربع»، أما إذا قُتل الطريد في حرم البيت كانت الحرب. وإذا دخل الطريد مضارب البيوت ولم يكن هناك رجال متواجدون، فإن النسوة يسرعن ويطرحن عليه بيت الشعر، وهذا يعطيه حق الحماية بأنه أصبح من أفراد العشيرة ومن أهل المضارب.

ولم يخضع الرجل العربي قبل توحيد المملكة واستتباب حكمها إلى بيئته، بل أخضعها لقوته وجبروته وصموده، إلا أنها صبغته بصبغة عتيدة لا مثيل لها بين سكان العالم.. إنها الصورة النقية للإنسان الفطري البِكر، الذي لم تلوثه الحضارات المتلاحقة عليه، فهو يحيا في حضن الطبيعة، ويسخرُّها لمطالبه، ويُخضِع كبرياءها وعتوها» فهي عاتية صلدة لا تلين إلا له، فكان الاكتفاء بالبيئة وما تنتجه تغنيه عن العالم بأجمعه، ومن هنا تكونت الشخصية العربية، حيث أُخذ منها عتوها وصلادتها وعنادها، ثم استغنى عن العالم حتى وقت قريب. والحياة الفطرية هي ما أكسبته هذا الشموخ، فإذا كانت معظم المساحات في المملكة صحراء جرداء فقد استفاد من تجردها وعايشه ولا نظير لها، وسخر وحوشها واستفاد من صيدها، ولبس من جلودها،، ونقب عن درنات النبات فأكلها طعاماً شهياً، واستأنس صقورها، وروَّض جِمالها التي كانت متوحشة في تكوينها، كما أن البيئة لم تبخل عليه بما منحه الله من ينابيع وواحات تصنف اليوم من المحميات العالمية أو تكاد.