بسم الله الرحمن الرحيم كانت تنطلق من حناجر الرجال كعبارة يستفتحون بها نهارهم كل ما هممنا بالانطلاق كل صباح هكذا يقول الرحالة البريطاني / الوزير توماس ضمن كتابه رحلات ومغامرات عبر صحراء الربع الخالي، واصفاً فريق رحلته عام 1930م. مضيفاً: بعد فترات طويلة من الصمت المطبق كان أحد الأعراب بجانبي يبادر على حين غرة إلى التمتمة بعبارات مثل اللهم نجني من أعدائي.. جنبني اللهم كل شر.. أما المقطع الأخير من آذان الفجر فكان يتضمن دعوات وابتهالات مطولة ترافق نهوض هؤلاء من مضاجعهم عند السحر، وهم يرتجفون من شدة البرد لأداء أول فروض يومهم، حتى المسيحي الملتزم الذي يرافقهم لا بد أن يتعلم منهم شيئاً عن القبول والتسليم المطلق بالإله كلي الوجود، وعندما نجلس في حلقة دائرية يصار دائماً الى كسر جدار الصمت بعبارة "لا إله إلا الله" بينما ينبري أحدهم بصورة محتدمة يهتف مرتين بعبارة: لا توقفوا الشهادة أيها المسلمون. مع ذلك فإن مثل هذه الدعوات والابتهالات لم تكن وفق ما لمسته وخبرته لتؤثر على علاقتهم معي، وكنت أستشعر وسط هؤلاء البسطاء طيبة وتسامح عز نظيرهما بين بعض سكان المدن الذين تمنحهم معرفتهم السطحية بالقرآن غروراً ينطوي على قدر لا يطاق من الأنانية كونهم يعتقدون بامتلاكهم الحصري للحقيقة الإلهية.

بالمقابل اسمحوا لي أن أستحضر تلك الحادثة التي جرت مع الشيخ صالح في مستهل هذه الرحلة، وبدأ توماس سرد قصته عند ما أمره أحد رجال صالح أن ينطق بالشهادتين تأكيداً لإيمانه المعلن والصلاة والصيام، وهكذا أمسك بلحيته التي أطلقها على سجيتها كأي أوروبي يأتي إلى هذه المناطق، لأن قسم الرجل بحسب قوله يجب أن يكون بوجود لحية، فردد وراءه لا إله إلا الله، وعند ما طلب أن ينطق "وأن محمداً رسول الله"، قال توماس دعني أشرح لك أن نبيك رجل عظيم ونبيل من العرق العربي، لكننا من عرق آخر نشهد بأن ربنا الله الذي لا إله إلا هو ونقول ونؤمن بأن نبينا المسيح.

المسيح ابن من ؟ سألوا توماس. لأنهم وبحسب وصف توماس أميون بالمطلق ولا اطلاع لديهم على القرآن الذي ينص على أن المسيح هو روح الله.

وتدخل الشيخ صالح لتبيان اللبس قائلاً "هذا صحيح" لكل أمة نبيها، ولكن والحمد لله هذا الرجل يقصد توماس من أهل الكتاب فهو يعترف بالله الواحد الأحد الذي لا تدركه الأبصار.

كان العرب الحاضرون متلهفين لمعرفة إن كان قوم توماس يحرقون جثامين موتاهم وأن زيجاتهم شرعية "منزهة عن المساكنة أو المعاشرة من غير عقد شرعي" أو إن كانوا يصومون ويصلون فأوضح لهم ضوابط هذه الأمور لديهم كمسيحيين وصححت لهم إجاباته مفهوماً آخر من مفاهيمهم المغلوطة التي صادفها في أثناء أسفاره السابقة، وهو مفهوم سائد على نطاق واسع في أنحاء الشرق الإسلامي، فهم يشيرون إلى السماء زاعمين أن الكفار يخبئون وجوههم عن الله، وهذا نابع حسب اعتقادهم من الطاقية العصرية الواقية من الشمس، والتي ولأسباب موجبة تنزل إلى ما دون مستوى العينين يقصد الخوذة الشمسية "البرنيطة"، ومن المهم التنويه كما يقول بهذا الخصوص إلى أن الصلاة وفقاً للشريعة الإسلامية تحتم أن يلامس الحاجب الأرض، ومن الواضح أن خوذة بحاجب لن تسمح بذلك. من هنا جاءت صيحة الاحتجاج من جانب أتباع الدين الإسلامي بجميع طوائفهم الإسلامية ضد اعتماد لباس الرأس من قبل جيوشهم وفق الأنماط الأوروبية " هنا علق المؤلف أن الخوذة الشمسية لم تكن تستخدم من قبل أوروبيي الشرق على مدى أكثر من قرن ( يتحدث عن عام 1930م ) فهي غير معروفة في الأميركيتين ولا يعتمرها الناس في أستراليا أو جنوب أفريقيا قبل ذلك.

ويستطرد المستعرب النمساوي إلى أنه خلال أسفاره اتشح بالكوفية العربية مخفياً تحتها خوذة طيار خفيفة بعد إزالة الحاجب عنها، وهي تحفة قديمة كتب عليها "ساوثي" القوى الجوية الملكية، مضيفاً: إن لباسي ولحيتي وحديثي يجب أن تكون قدر الإمكان على غرار لباس ولحى وطعام وحديث أصحابي ذوي الأفق الضيق والتجربة المحدودة لتلطيف الفوارق فيما بيننا، ولنفس السبب لم أرتد النظارات الشمسية أو غيرها من وسائل الوقاية من أشعة الشمس ذات البروزات الناتئة، حيث أن شكوك أصحابي البدو في رحلتي ووساوسهم حيال الخوذات الشمسية أظهرت أن هذه الأشياء قد تعيق الإنجاز الناجح لمخططاتي، غير أني لن أتخلّ يوماً عن اعتقادي بأنها ضرورية.

صالح مرافق توماس