حين يكون الشاعر وحيداً في غرفته بليل، صديقاً للأرق، فقد يستعين بالشعر لملء فراغ النفس والغرفة، وفي الليل تهبط الخواطر على الشاعر، وتطوف كالفراشات أحياناً، وكالبُخار الصادر من شوقٍ على نار، لحبيبٍ أو أنيسٍ أو أمنياتٍ حبيسة في الداخل، أو تأملاتٍ في هذا الوضع (المزري) بالنسبة لشاعر يرى أنه أولى من غيره بالبهجة والانشراح والانطلاق نحو مفاتن الحياة.. ولكنّ هذا كله لا يُنسيه واقعه الكئيب وأنه مؤرق وحيد، بينما الحياة تزخر بالمُبهجات .. هذا ما نحسه في قصيدة الشاعر المبدع (علي محمود طه) الذي طالما هامت صوره في مجالِي السحرِ والعطرِ والجمال، وتاهت شوقاً لملذات الحياة وإن لم يُصرّح هو بذلك ولكنه مفهوم (الشكوى) ورائحة المشاعر في قصيدته (غربة الشاعر) والتي يصحّ تحويرها إلى (غرفة الشاعر):

أيّها الشاعر الكئيب مضى اللّيــل

وما زلت غارقاً في شجونك

مُسَلِّماً رأسك الحزين إلى الفكـر

وللسّهد ذابلات جفونك

فيدٌ تُمسك اليراع وأخرى

في ارتعاش تمرّ فوق جبينك

وفمّ ناضب به حرّ أنفاسِكَ

يطغى على ضعيف أنينك

لست تصغي لقاصف الرّعد في الليــل

ولا يزدهيك في الإبراقِ

قد تمشّى خلال غرفتك الصّمــت

ودبّ السّكون في الأعماقِ

غير هذا السّراج في ضوئه الشّاحِب

يهفو عليك من إشفاقِ

وبقايا النّيران في الموقد الذّابل

تبكي الحياة في الأرماقِ

أنت أذبلت بالأسى قلبك الغضّ

وحطّمت من رقيق كيانك

آه يا شاعري لقد نصل اللّيــل

وما زلت سادراً في مكانك

ليس يحنو الدّجى عليك ولا يأسى

لتلك الدموع في أجفانك

ما وراء السّهاد في ليلك الدّاجي

وهلاّ فرغت من أحزانك؟

فقم الآن من مكانك واغنم

في الكرى غطّة الخليّ الطروب

والتمس في الفراش دفئاً ينسّـيـك

نهار الأسى وليل الخطوب

لستَ تُجزى من الحياة بما حمّــلت

فيها من الضّنى والشّحوب

إنّها للمجون والختل والزيــف

وليست للشّاعر الموهوب!)


(أيّها الملاح قم واطوِ الشّراعا

لِمَ نطوي لجّة اللّيل سراعا

جدّف الآن بنا في هينة

وجهة الشّاطئ سيراً واتّباعا

فغداً يا صاحبي تأخذنا

موجة الأيّام قذفاً واندفاعا

عبثاً تقفو خطأ الماضي الذي

خِلْتَ أنّ البحر واراه ابتلاعا

لم يكن غير أويقات هوى

وقفت عن دورة الدّهر انقطاعا

فتمهّل تسعد الرّوح بما

وهمت أو تطرب النّفس سماعا

ودع اللّيلة تمضي إنّها

لم تكن أوّل ما ولّى وضاعا

سوف يبدو الفجر في آثارها

ثمّ يمضي في دواليك تباعا

هذه الأرض انتشت ممّا بها

فغّفت تحلم بالخلد خداعا

قد طواها اللّيل حتى أوشكت

من عميق الصّمت فيه أن تراعا

إنه الصّمت الذي في طيّه

أسفر المجهول والمستور ذاعا

سمعت فيه هتاف المنتهى

من وراء الغيب يقريها الوداعا