لا يخفى على ذي لُبٍّ ما يجده المسافر من عناءٍ ومشقةٍ أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السفرُ قطعة من العذاب)، والمراد بالعذاب الألم الناشئ عن المشقة لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف.

ومن المشقة التي يجدها المسافر خوفه من نكبات الطريق من حوادث ومصائب، ومما يزيد عناءه أيضاً ما يجده المسافر في سفره من عدم تهيئة أماكن الراحة والعبادة وهي مساجد محطات الطرق وملحقاتها.

فحال مساجد الطرق إلى وقت قريب لا تسر العدو فضلاً عن الصديق، من مبانٍ متهالكة وخدماتٍ مهترئة ومناظر مقززة، فقد يزور الإنسان أحد مساجد محطات الطرق أو ملحقاتها فيرى ما لا يسره فيتنكد طوال رحلته أو في جزء منها.

بل وصل الحال ببعض الناس إلى أن يتوقف في البر لقضاء حاجته ويصلي ويرى أن ذلك أهون عليه مما يجده في تلك المرافق وخدماتها، أليس هذا مما يندى له الجبين وتنكسف لأجله الحال؟

لكن ما من مشكلة إلاّ ولها حل وما من داء إلا وأنزل الله له دواء، وقضى الله على عباده في هذه الحياة بأن سخرهم لبعضهم، فقد سخر الله لبيوته ولخلقه رجالاً حملوا هذا الهم على عاتقهم وأشعلوا هممهم طلباً فيما عند ربهم وابتغاءً فيما ادَّخره.

قام رجال من هذه البلاد المباركة وأجهزوا على تلك المعاناة التي يجدها المسافر في طريقه فبذلوا الغالي والنفيس لردم هذه الظاهرة البئيسة، فقد قامت مبادرة مباركة من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه -نحسبهم كذلك- فبذروا وغرسوا نواة مباركة تحمل أهم البقاع إلى الله فبنوا ورمموا وصانوا مساجد الطرق حتى تبدلت حالها إلى حال تسر الناظرين.

ثم تحولت تلك المبادرة إلى مؤسسة خيرية غير ربحية تهدف إلى جعل مساجد الطرق نموذجية ومستدامة جاذبة لزوار الحرمين الشريفين. تعرف باسم: "المؤسسة الخيرية للعناية بمساجد الطرق"، وهي تعمل بترخيص من وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد.

وقد تُوِّج هذا الجهد المبارك بتشريف من أحد رواد العمل الخيري ورجالاته ليتولى الرئاسة الفخرية للمؤسسة وهو الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي لطالما حمل هذا الهم على عاتقه حتى رأت المؤسسة النور بدعمه وعنايته.. فحولت تلك المؤسسة الألم الذي عشناه طويلاً إلى واقع أنسانا مرارة ما مضى أو شيئاً منه.

قد لا أبالغ إن قلت: إن مساجد الطرق وملحقاتها التي تشرف عليها المؤسسة تفوق حال كثير من المساجد الواقعة داخل المدن وخلال فترة وجيزة حققت أرقاماً مبشرة حظيت من خلالها على رضا المجتمع وتزكية عدد من علماء هذه البلاد ووجهائها.

ولا يخفى أن هذا العمل يجمع خصالاً حميدة لعل من أهمها: الاهتمام بأحب البقاع إلى الله، والإحسان إلى ابن السبيل الذي أمر الله بالإحسان إليه.

فواجبنا تجاه هذه المؤسسة وغيرها من الجمعيات الخيرية والمبادرات النافعة أن نسعى لتحقيق أهدافها ومعرفة مدى احتياجها من دعم بمال أو تطوع بدني أو ذهني.. فبمثل ذلك يرتقي المجتمع ويزداد الوعي.