نحن هنا نقرأ واقع شخصية فشلت سياسياً وجسدت أزمة مستعصية عنوانها الطائفية والإقصائية والإلغاء بدليل تهميشها للسنة ما يعني أن ولاءها ليس للوطن العراق بل للطائفة والمرشد..

ذكرت كوندليزا رايس في مذكراتها من أنها أخبرت نوري المالكي بامتعاض العرب السنة من استبعاده لأبنائهم من الانخراط في الجيش والمؤسسات الأمنية فأجابها «أنا لا أطيق العرب ولا أثق فيهم». هذه العقلية تكشف وبامتياز عن حقيقة الخلل في بنيتها وقد انعكست على تعاطي حكومته عندما كان رئيسها. مناسبة هذا الحديث ونحن نقرأ بيان حزب الدعوة الذي جاء فيه أنه تم فيه الاتفاق على دخول الدعوة بتحالفين في انتخابات مجلس النواب، الأول باسم دولة القانون برئاسة نوري المالكي والثاني (النصر والإصلاح) برئاسة حيدر العبادي».

إننا هنا لا نستهدف المالكي كشخص، كونه لا يقدم ولا يؤخر، بقدر ما أن الأمر يتعلق بموقعه السياسي الرسمي. أعتقد أن بقاء المالكي في الساحة السياسية العراقية لا يخدمها بل يؤزم المشهد وعلاقات العراق بدول الجوار. كانت إدارته وأسلوب حكمه من الأسباب الموضوعية لتجزئة وانفصال وتقسيم البلاد. أليست سياسة المالكي هي من دفعت أهالي تلك المناطق السنية آنذاك في التجاوب مع داعش وغيرها ليس حباً فيها بقدر ما هي كراهية لممارساته آنذاك وهو الذي مارس لغة التضليل باتهام الخارج ومشجب المؤامرة والتخوين فضلاً عن مواقفه المؤيدة والمتناغمة لسياسة طهران وتصريحاته الاستفزازية تجاه دول الخليج، ووقوفه مع نظام بشار الأسد ودعمه له. تعودنا أن تتبرأ الرئاسة والحكومة العراقية من تصريحات نوري المالكي المشينة إلا أن المالكي الذي يعشق الأضواء وإطلاق الاتهامات، لا ينفك يبث بذاءاته وسمومه ويسعى إلى عزل العراق عن محيطه العربي، وضرب التقارب السعودي - العراقي على سبيل المثال ولا غرابة في ذلك فهو المتحدث باسم إيران والذي جعل بلاده رهينة في يدها منفذاً أجندتها وبامتياز.

قد يكون من المناسب أن تنزف الذاكرة هنا لتكشف لنا مدى المعاناة التي تجرعها شعب العراق إبان وجود المالكي في السلطة، فعندما اتفقت المكونات السياسية العراقية في أن حكومة المالكي فشلت في القيام بدورها في النهوض بالدولة وبنائها في ظل تغييبها لمقومات الاندماج الاجتماعي في دولة تنموية يفترض أن يسودها الدستور والقانون والمواطنة. فإنها طالبت برحيله آنذاك بإجماع داخلي وإقليمي ودولي، لاسيما وأن الرجل ترك إرثاً ثقيلاً من أزمات اقتصادية وصلت لخسائر 400 مليار دولار وملفات وقضايا أمنية وعسكرية وانهيار مريع لقواته بشكل يندى له الجبين بدليل سقوط ست محافظات من دون مقاومة ناهيك عن تكريسه للطائفية وما قصته مع الصحوات العشائرية إلا فصل من فصوله العبثية.

أضف إلى ذلك أن هناك من يرى أن سوء الحال وسقوط المدن في أيدي جماعات إرهابية وتمدد الإرهاب الذي يعاني منه العراق الآن إنما جاء نتيجة لسياسات المالكي، وعزز الانهيار بإعادة إنتاج الطائفية وتوليدها ما أدى إلى هشاشة مؤسسات الدولة وانشراخ التآلف المجتمعي. والحقيقة أنه عندما تتركز السلطات الأمنية والعسكرية في يد شخص واحد ذي عقلية طائفية، فإنه أمر كافٍ لفهم أسباب تفاقم الوضع في بلاد الرافدين. نحن هنا نقرأ واقع شخصية فشلت سياسياً وجسدت أزمة مستعصية عنوانها الطائفية والاقصائية والإلغاء بدليل تهميشها للسنة ما يعني أن ولاءها ليس للوطن العراق بل للطائفة والمرشد. ألم يكن المشهد العراقي في عهده مأزوماً وملغوماً واستقراره مهدداً بدليل تناحر حكومته مع بقية مكونات الشعب العراقي إلى مرحلة كسر العظم، ولذلك يبدو أن المزاج العام الآن داخل العراق وخارجه لا يرحب بأي دور للمالكي عدا إيران بطبيعة الحال. هذا الموقف على الطريق الصحيح لإنقاذ العراق من أزمته الخانقة.

إخراج المالكي من المشهد السياسي العراقي ضرورة من أجل لمّ شمل المكونات السياسية على قاعدة المصالحة الوطنية، في حين أن بقاءه في الساحة يُدخل البلاد في أزماتها الطائفية مُغلباً مصالحه الفئوية والحزبية.