يوماً بعد آخر تزداد الأعباء المالية على عائلاتنا بالشكل الذي يتطلب تغييراً جذرياً في نمط الاستهلاك الذي اعتدنا عليه، فمع التحديات الاقتصادية وارتفاع الإنفاق على الكماليات والبذخ المفرط أصبح الراتب غير قادر على سد هذا العجز الذي نواجهه مع نهاية كل شهر.

لا أتحدث هنا عن ضريبة القيمة المضافة أو عن أسعار الكهرباء والبنزين فهذه أشياء مفروضة على الجميع دون استثناء، لكن ما يهمني هنا هو تلك الأشياء التي يمكن التحكم فيها وترويضها حتى لا تتحول إلى حفرة تلتهم مداخيلنا كمرض خبيث.

يكمن العدو الأول في عدم تسجيل ورصد ما نصرفه من مال.. إذ يعتمد معظمنا على الذاكرة في ذلك حتى أن البعض لا يعلم ما يخرج من جيبه حتى يتفاجأ أنه لم يتبقَ في محفظة نقوده سوى كرت "العايلة" أو بطاقة مصرفية لو تجرأ على استخدامها في الأيام الأولى من الشهر لوجد الجهاز يقول له بكل جلافة: "الرصيد غير كافٍ".

إن وضع مفكرة أو استخدام تطبيق يحدد بدقة مصير كل ريال ووجهته النهائية سيمنح رب الأسرة القدرة على توجيه المصاريف في الطريق الصحيح، وكيف يمكن له لاحقاً التوفير أو على الأقل الإنفاق بصورة صحيحة، وبما أن الرواتب في المملكة أصبحت بالتاريخ الميلادي فإنه من المناسب في بداية 2018 العمل فوراً على تنفيذ ذلك وجعل الشهر الأول خريطة طريق تحدد الوضع المالي لبقية العام.

يعلم الجميع أن فواتير الجوالات والإنترنت تحتل حيزاً كبيراً من الدخل خاصة إذا كان هناك أكثر من فرد يستخدم تلك الخدمات دون أن يكون لديه مصدر دخل يشارك من خلاله في دفع الفواتير، المصيبة تتضاعف إذا كانت العائلة حريصة على امتلاك آخر إصدار من الهواتف الذكية التي قد يعادل الواحد منها راتب شهر بأكمله.

يعتقد الكثير أن الإنفاق على الأكل دون حساب دليل على إكرام النفس وعدم حرمانها مما تشتهيه، وفي هذا مغالطة لا تخلو من الجهل فكل ما غلا ثمنه ليس بالضرورة مفيداً للصحة، كأس لبن أو قارورة مشروب غازي، تفاحة أم قطعة كنافة، صحن سلطة، أم طبق كبسة؟ بالنسبة لي سأختار الكبسة لأن هذا ما اعتدت عليه كأي مواطن سعودي وهنا يكمن تحدٍ جديد في تغيير نظامنا الغذائي الذي أورثنا السكري والتخمة وميزانية مفتوحة للتبذير.

يبقى العدو الأكبر للإنسان هو القروض.. ومع تفنن البنوك في إغراء هذا الموظف البسيط بالعروض والتسهيلات البنكية سرعان ما سيقع في دوامة من الفوائد التي تجعله سجيناً أبدياً للديون، سيارته وتكاليف زواجه وإذا كان محظوظاً أقساط بيته كلها من البنوك ومؤسسات التقسيط، فيما يزداد الخطر مع التساهل في منح البطائق الائتمانية ذات الفوائد الأعلى التي يتجاهلها المستهلك عند الإسراف في المشتريات والمبالغة في الإنفاق.. هنا يجب أن تتدخل مؤسسة النقد لفرض رقابة صارمة على أي بنك يسعى للسطو على أرزاق الناس بالإغراءات والتحايل على الأنظمة.

إذا تجاوز الراتب كل ما تقدم من عقبات تبقى محاولة أخيرة لعصره من أجل توفير ولو جزء بسيط يمكن استثماره واللجوء إليه وقت الشدائد والملمات وكما يقول المثل "خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود".