قال الله تعالى في سورة الشعراء "وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ" (224). وقد اختلف أهل التفسير والتأويل في المقصود بأهل الغي في هذه الآية، بين فريق يُرجح رواة الشعر، وآخرون يظنون أن الشياطين هم المعنيون بالأمر.

وإذا كانت الفلسفة تعتمد في أساسها على "السببية" التي تبنى وترتكز على الحوار الجدلي والتساؤل المستمر الذي يضرب في أعماق الإنسان، ولب الوجود، وكينونة الأشياء المادية، وضرب الأفكار بالأفكار، ونقض المسلمات بالبراهين المنهجية، لاكتشاف الحقيقة بعيداً عن مآسي الفكر الهامل، فإن الشِعر يُستنبط من قوى الإدراك الإنساني سواء كان الإدراك عقلياً أم حسياً، فهو الذي ينتج التخييل الشعري.

ويتم تحريك هذه القوى الإدراكية في اتجاه يشق الخنادق تحت المحسوسات المادية الظاهرية، أو المعنوية الباطنية، ويسمى هذا الاتجاه بالوهم، الذي يحتاج إليه الشاعر حتى يشحن طاقته الشعرية ويضخ في فكره ما يشعل حواسه وقوته الناطقة، ليقول قوله الموزون المقفى، ومن هنا يتقاطع طريق الشعراء مع الفلاسفة، فلا يقبل أحدهما بالآخر، فهناك هوة كبيرة بين نبذ الواقع والهروب منه إلى حالة من الخيال الذي يصنع واقعاً افتراضياً، وبين تفسير الوجود والموجودات بمنح سبب منطقي يتلاءم مع طبيعة الفهم البشري ويردم فجوات السؤال.

لذلك فإن الشعر كان متقاطعاً ومتعارضاً مع الفلسفة في الفكر العربي الإسلامي وكذلك في فكر فلاسفة الإغريق مع اختلاف درجة الحدة والتعامل مع الشعراء والنظر إليهم. وحسب قراءة أحمد المنياوي في كتابه "جمهورية أفلاطون" الذي تحدث فيه عن المدينة الفاضلة كما كان يتصورها أفلاطون، فإن أفلاطون قد طرد الشعراء من مدينته.

وبرر أفلاطون قسوته الحادة في التعامل مع الشعراء بالطرد والإبعاد من مدينته بسبب أساطيرهم المتخيلة في أشعار الإلياذة والأوديسة، حيث كان يعتبرها نوعاً من الترويج للأساطير المخيفة عن الحياة، محذراً الأمهات من نقل تلك الخرافات لأطفالهم، حتى لا تفسد عقولهم، ويهترئ جوهرهم الإنساني الذي مازال في بدايات تكوينه. فقد كانت قضية أفلاطون تجاه الشعر والشعراء قضية تربوية بحتة، فهو لا يرى ضرورة لابتداع مثل تلك الخرافات غير الحقيقية التي تدخل الرعب في قلوب الأطفال ويبنى عليها تكوينهم النفسي، فضلاً عن تنافيها مع مقتضيات العقل الذي تستقي منه الفلسفة جوهرها الذي يمنطق كل الأشياء.

ولم يكن للشعراء حظوة كبيرة عند الفلاسفة المسلمين، غير أن تعاملهم مع الشعر والشعراء كان أقل قسوة من تعامل أفلاطون بالإقصاء، فقد كانوا يتركون للشعراء مهمة إيجاد السعادة التي تنبع من اللذة، ومن هذه اللذة (القول الجميل) مع أن الأكثرية من فلاسفة المسلمين كانوا يسندون لهم مهمة تعليم الأطفال فنون الخطابة، ومخاطبة العوام. أي أنهم يعملون لدى الحاكم ولا يؤخذ كلامهم على محمل صدق أو كذب بقدر ما يجعلنا نتساءل إلى أي مدى أثر فينا؟ هذا بحسب ما أوردته الدكتورة ألفت كمال الروبي في كتابها نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين. مستنبطة ذلك من أقوال الفارابي وابن رشد، وابن سيناء، والكندي.

ويتضح هنا أن سر هذا التعارض الدائم منذ قديم الزمان حتى يومنا هذا بين الشعر والفلسفة هو في توجهات اللغة وديناميكيتها، فالفلسفة هي لغة البرهان الذي لا يقبل الشك وأنصاف الحلول، بينما الشعر هو الخيال الذي قد يجعل من الزيغ حقيقة، ويحول الحقيقة إلى شك زائغ لأنه مبني على وهم.

والغريب في الأمر هو أن اللغة الشعرية قد تغيرت في بعض الأزمنة ليخرج عدد من الشعراء الفلاسفة أو الفلاسفة الشعراء، فمن يقرأ للمتنبي والمعري يدرك أن الشعر لم يعد مجرد علاقة بين التركيبات اللغوية والنحوية والصوتية، بل تعدى إلى ما هو أبعد من ذلك ليكون شكلاً من أشكال الفلسفة، حتى أن بعض الفلاسفة قد كتبوا الشعر بأفكار تأملية ميتافيزيقية، وعلى طريقة تجريدية. وربما يعود هذا إلى قدرة الشعر (الحقيقي) على النفاذ إلى جوهر الماديات بطريقة تتماهى بين العلمية الصرفة والخيال المحض، وهو ما لا يستطيع أن يجمعه فيلسوف مستقل أو شاعر مستقل ما لم يكن هناك اتحاد بينهما في شخص واحد، الأمر الذي يؤدي إلى احتقار الكثير من الكتابات الشعرية المباشرة والتي تتوجه إلى المقاصد بطريقة لا تثير عقل المتفكر.

أفلاطون طرد الشعراء من مدينته الفاضلة