قرار إنشاء مركز الوعي الفكري في وزارة التعليم وضم برامج فطن وحصانة والتوعية الإسلامية تحت مظلته؛ ليس آخر الحلول لمواجهة الأفكار المتطرفة - من البعض وليس الكل - في أهم حواضن الفكر في المملكة، حيث لا يزال هناك حاجة لمواجهة أدوات التمكين لتلك الأفكار، وأهمها المناهج الدراسية، وطريقة اختيار المعلمين، وتقييم مخرجاتهم.

المهمة ليست سهلة، بل حسّاسة؛ لدرجة أن ملامسة هذا الجانب يعد في نظر البعض اتهاماً تجاه التفريط في ثوابت المنهج الدراسي الذي يعبّر عن خصوصية دينية وثقافية للمجتمع، أو تقليلاً من مكانة المعلم والثقة فيه، ورغم أهمية هذا الطرح، وضرورة التعامل مع ردوده بكثير من الحكمة والعقل، إلاّ أنه يمثّل جانباً من النقاش الذي يثري في التوافق بين مكونات العملية التعليمة، وليس الاتفاق الذي يستحيل تحقيقه.

المطلوب ليس مركزاً فكرياً، بل مركز توافق فكري نتحاكم إليه في تقييم المناهج وما يمكن تغييره وليس تطويره شكلاً، إلى جانب معايير محددة لاختيار المعلمين، وأخرى لتقييم أدائهم، وخطابهم، حيث لا يمكن أن نطلق الوعي الفكري بحثاً عن هوية، أو قيم مستحدثة، أو ثقافة تنويرية تنسجم مع واقع المجتمع الذي ينهض بطموح وفق رؤية عميقة، ونحن لم نجرؤ على تحديد المشكلة وصياغتها والتوافق عليها.

المشكلة باختصار أننا اعتمدنا مناهج دينية بعد مراجعتها وتدقيقها، وتولى المعلم تدريسها كما هي؛ فالمشكلة ظاهرياً ليست في المعلم الذي يدرّس منهجاً معتمداً، ولكن في المنهج الذي لا نزال منذ عقود نتناقش حوله، ونحاول في أكثر من مرة أن نجتهد في تنقيحه، والتبرير له.

صحيح أن المناهج الدينية مرتبطة بنصوص وثوابت مقدسة، ولا جدال فيه، بل يجب التمسك بها؛ لأنها في النهاية تعبّر عن هويتنا الإسلامية التي نستمد منها قوتنا، ولكن ما هو مطلوب ليس تغيير الثابت وإنما التعبير عنه وفق مستجدات معاصرة، وتقديمه للآخر بوسطية واعتدال تمنحنا ميزة في التعايش معه، والانفتاح عليه.

الوعي الفكري في التعليم ليس بحاجة إلى تعزيز ما هو قائم من هوية وانتماء وولاء ومعارض وأنشطة وفعاليات؛ لأن الفكر لا يستمد حضوره وتأثيره من تلك المفردات التي يؤمن بها الجميع ومن الصعب الحكم على أحد خلافها، بل من منهج نتحاكم إليه، ونظام صارم لمن يتجاوز الخطوط الحمراء في نشر الكراهية والتعصب، ومركز مراقبة نشط في التعامل مع البلاغات التي يكون الطالب هو محورها الأساس.

الدولة مصممة على اقتلاع الأفكار المتطرفة، وهو مشروع لا يراد منه الاصطدام مع أي طرف، وإنما إعادة المجتمع إلى حالته الطبيعية، وقيمه المتسامحة المتعايشة مع شعوب الأرض، وهذا لن يتحقق إلاّ بأدوات تمكين حقيقية، أهمها التعليم الذي يواجه تحديات أكبر من مركز وعي فكري إلى صياغة الفكر ذاته، وإعادته إلى واقعه الجديد يحافظ على الثوابت ويؤمن بالمتغيرات سبيلاً للخروج من أزمته.