في زيارتي الأخيرة لأغرا قبل أسابيع لاحظت أن هذه الورش اختفت ولكن الصناعة مازالت موجودة والمنتجات تعرض في محلات خاصة وسعرها مرتفع جدا. لقد أصبحت هذه الحرفة نخبوية جدا ولم تعد منتجاتها متاحة للجميع وهذا أدى إلى تراجع عدد العاملين بها لأنها تتطلب درجة عالية من الإتقان وتحتاج إلى تسويق احترافي..

جلست عند أحد محلات بيع الحرف اليدوية في العاصمة الهندية دلهي وكنت مهتما بشكل أساسي بصناعة السجاد الكشميري، صرت أساله عن تفاصيل هذه الصناعة ومن يقوم بها لكنه فجأة بدأ يتحدث عن الوضع الاجتماعي المتأزم في كشمير نتيجة للوضع السياسي المتأجج على الحدود منذ عقود، وقال لي إن هذه الصناعة ويقصد "السجاد" تتولاها الأسر الكشميرية ومن المعروف أن الصوف الكشميري هو من أجود أنواع الصوف في العالم لكن الأسعار ليست كما كانت عليه نتيجة لحاجة الأسر المنتجة للمال. فجأة أخرج لي قطعة سجاد كبيرة جدا وفرشها على الأرض وقال إن هذه القطعة يعمل عليها شخصان لمدة ثلاثة أعوام وتباع فقط بخمسة عشر ألف دولار، أي أنها تشترى بأقل من نصف هذه القيمة من الأسرة التي أنتجتها. قمت بعملية حسابية بسيطة للبحث في إمكانية تطوير المنتجات الحرفية لدينا كي تكون منافسة للحرف في كثير من دول العالم وكانت النتيجة أنه لو أردنا أن ننتج مثل قطعة السجاد لدينا (لو توفرت المعرفة الحرفية والمواد الخام) لاحتجنا إلى عمل رجل أو أمرأة لمدة 6 سنوات متواصلة أي أن تكلفتها ستكون عالية جدا ولا يمكن لأحد أن يشتريها إلا النخب الاجتماعية الثرية التي ستتعامل معها على أنها قطعة فنية نادرة.

بالطبع الأسعار المعتدلة للسجاد الكشميري ليست مرتبطة فقط بالحالة الصعبة التي تعيشها كشمير ولكن لتدني تكلفة الأيدي العاملة في مجال العمل الحرفي وكثير من المهن الإنتاجية الأمر الذي يسمح بإنتاج منتجات يمكن اقتنائها من قبل كل فئات المجتمع وبالطبع تتفاوت الجودة والأسعار كلما ارتفعت الجودة وكلما ارتفعت تكلفة الأيدي العاملة. أكد لي أحد الزملاء، عندما طرحت وجهة نظري حول صعوبة تطوير العمل الحرفي في المملكة، أن هناك العديد من المنتجات الحرفية المتميزة لدينا وبأسعار مقبولة وضرب لي مثالا عن بعض السجاد في منطقة الجوف والخناجر في منطقة نجران وقال إنها بأسعار مقبولة وإن كانت مرتفعة قليلا. وبالطبع وافقته على ذلك لكنني بينت أن هذه الحرف لا تعتبر مصدر دخل مجدٍ بالنسبة للعاملين بها لأنها إما أن تكون منتجات سريعة وقليلة الجودة أو متقنة وعالية الجودة وبالتالي غالية الثمن. في اعتقادي أن هذا المأزق الذي تعيشه الحرف التقليدية يتطلب رؤية من نوع آخر لنقلها نقلة اقتصادية مقبولة.

إحدى الملاحظات التي تنبهت لها في صناعة السجاد الكشميري أن لكل أسرة هويتها الخاصة وبصمتها التشكيلية للسجادة ومن خلال التكوين النقشي يمكن التعرف على من صنعها. أنا شخصيا كنت أعجب من بعض الزملاء الخبراء بهذه الصناعة عندما نزور أي متحف للفنون الإسلامية ويقول لي من النظرة الأولى هذا سجاد من كازخستان أو من أوزبكستان أو تركيا، وتأكد لي هذا عندما جلست مع المتخصص في السجاد في محل الحرف في مدينة دلهي وعرض أمامي العديد من السجاد كل منها له هويته الخاصة ومرتبط منذ قرون بالأسر التي تنتجه فقد عرفت أن هوية السجاد ليست فقط على مستوى الدول والمناطق بل على مستوى الأسر التي تنتجها. القيمة الفنية لأي حرفة هي في استمراريتها وتطورها وارتباطها بمرجعها الأصلي. أصالة المنتج تكمن في بقاء واستمرار من ينتجه وهو ما يعطيه قيمة أكبر ويجعل الكثير من المهتمين يبحثون عنه ويقتنونه. في اعتقادي أن تأصيل تاريخ العمل الحرفي من الناحية الاجتماعية ومن الناحية الفنية وربط المنتج بمن ينتجه هو بداية التطوير الفعلي لهذه الصناعة المهمة.

ربما ركزت هنا على صناعة السجاد اليدوي ولكن في الحقيقة كل الحرف تواجه نفس التحديات وأذكر أنني عام 1992م توقفت عند إحدى الورش الحرفية في الطريق بين دلهي وأغرا كانت تهتم بصناعة طاولات الرخام الأبيض المطعم بزخارف من الأحجار الكريمة وهي صناعة استمرت منذ بناء تاج محل الذي يتميز بهذه الزخارف وحتى اليوم وكانت هناك ورش كثيرة منتشرة على الطريق تهتم بنفس الصناعة وتعرض منتجاتها الباهضة الثمن بشكل جذاب، ولكن في زيارتي الأخيرة لأغرا قبل أسابيع لاحظت أن هذه الورش اختفت ولكن الصناعة مازالت موجودة والمنتجات تعرض في محلات خاصة وسعرها مرتفع جدا. لقد أصبحت هذه الحرفة نخبوية جدا ولم تعد منتجاتها متاحة للجميع وهذا أدى إلى تراجع عدد العاملين بها لأنها تتطلب درجة عالية من الإتقان وتحتاج إلى تسويق احترافي. أخشى في المستقبل أن تصبح هذه الظاهرة عامة في كل الحرف وتخسر الإنسانية جزءا مهما وأصيلا من جانبها الفني الأصيل.