الدور الكبير الذي تضطلع بها الأسرة في مستقبل أبنائها ونجاحهم ومواصلة الدراسة، فقد تفادت الأسرة بتكاتفها وتعاونها تبعات الزواج المبكر من طلاق وانقطاع عن التعليم، فلولا تشجيع الأم والأخت لما استطاعت الدكتورة فضيلة أن تعود إلى مقاعد الدراسة وتتفوق، الأسرة هي الأساس لنجاح الأبناء وتفوقهم..

عادت إلى بيت والديها تمسك في يد ورقة الطلاق وباليد الأخرى طفلين، أصغرهما ثمانية أشهر والثاني يبلغ عامين، زواج مبكر وتوقف عن مواصلة التعليم قبل إنهاء المرحلة الثانوية، قصة ملهمة للدكتورة فضيلة العوامي المتخصصة في الطب النفسي والحاصلة على الزمالة الأميركية في علاج الإدمان من جامعة كاليفورنيا لوس أنجليس، وأحد المستفيدين من برنامج الابتعاث الخارجي لخادم الحرمين الملك عبدالله رحمه الله.

نشأت في محافظة القطيف وفي أحد أحياء بلدة العوامية على ضفاف الخليج العربي وبين مزارع النخيل، ترتدي في كل صباح ملابس المدرسة وتحمل حقيبتها وتحلم بغد جميل مشرق كغيرها من البنات، تنجح في كل عام لكن دون تفوق يذكر إلى أن أيقظتها معلمة الرياضيات بقولها: أنت ذكية فلماذا الإهمال؟ عبارة قصيرة مختصرة تحمل في طياتها التشجيع والنقد الهادف وكانت كافية لإيقاظ عقل الفتاة وتحفيزه، لتصبح واحدة من المتفوقات في آخر المرحلة الابتدائية. لكن زواجها المبكر أجبرها على ترك الدراسة وكاد أن يجعلها ضمن صفوف المحتاجين للمساعدة لولا تدخل والدتها وتشجيعها للعودة إلى الدراسة وتكفلها بتربية ابنيها، كما تبرعت أختها الأخرى بتدريسهما في البيت قبل دخول المدرسة.

تخرجت الدكتورة فضيلة من المرحلة الثانوية بتفوق والتحقت بكلية الطب في جامعة الملك فيصل في الدمام وتخرجت طبيبة ثم واصلت نجاحاتها هي وابناها اللذان ابتعثا فيما بعد لدراسة الهندسة في أميركا ثم التقت بهما هناك حين ابتعثت لتخصصها الدقيق في علاج الإدمان.

اليوم تقول الدكتورة فضيلة: عدت إلى وطني وأعمل في المستشفى لأرد بعض الدين لحكومتي وأهلي في السعودية.

فرحت كثيراً لهذه السيدة وقصتها الملهمة لأسباب كثيرة من أهمها أنها امرأة تعرضت لأهم مسببات الفقر والأمية وهو الزواج المبكر والتوقف عن مواصلة التعليم، السبب الثاني أنها من بلدة عزيزة علينا جميعاً وهي العوامية التي يجهل البعض ما قدمته هذه البلدة الصغيرة من رجال ونساء أسهموا في بناء الوطن على مستوى القطاعين العام والخاص، أما السبب الثالث فهو أهمية دور الأسرة في نجاح أبنائها ودور التعليم في الرفع من مستوى الشخص ومكافحة الفقر، إضافة على الأثر الكبير لبرنامج الابتعاث على كثير من الأبناء والأسر في المملكة.

دروس كثيرة نستطيع أن نستنبطها من قصة النجاح والتي أرى أن من أهمها:

أولاً. الدور الكبير الذي تضطلع بها الأسرة في مستقبل أبنائها ونجاحهم ومواصلة الدراسة، فقد تفادت الأسرة بتكاتفها وتعاونها تبعات الزواج المبكر من طلاق وانقطاع عن التعليم، فلولا تشجيع الأم والأخت لما استطاعت الدكتورة فضيلة أن تعود إلى مقاعد الدراسة وتتفوق، الأسرة هي الأساس لنجاح الأبناء وتفوقهم.

ثانياً. التعليم هو صمام الأمان ضد الفقر، وهو القادر وحده بمشيئة الله على الرفع من المستوى المعيشي للأسر الفقيرة، ولهذا فلا بد من تطبيق التعليم الإلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية، خاصة بين أولاد الأسر الفقيرة، والتعليم الناجح هو الذي يضم معلمات مثل تلك المعلمة التي طلبت من هذه الطالبة أن تستخرج أفضل ما لديها، وهو الذي يسلح الطالب أو الطالبة بما يحتاجه للعمل في المجالات المطلوبة لسوق العمل، وتزويده بما يحتاج من مهارات للبدء بعمله الخاص لو احتاج إلى ذلك. وأخطر ما يصيب التعليم هو ضعف المخرجات، خاصة مع وجود الجامعات الناشئة والتي لم تبن على أسس قوية منذ إنشائها ولم تحظ بالتوءمة مع جامعات عالمية قوية.

ثالثاً. الوطن الآمن القوي هو الذي لا يفرق بين أبنائه في التعليم والتوظيف وإتاحة الفرص، وقد كان برنامج الملك عبدالله للابتعاث الخارجي خير مثال على ذلك، فالمساواة بين المواطنين من أهم أسباب استقرار الأوطان، ومثال ذلك الولايات المتحدة الأميركية التي صنعت أعظم وحدة وأقوى دولة على مرّ العصور ولا تزال تزداد قوة في كل المجالات، وقد تعلمت هذا الدرس من أوروبا ومن حربها الأهلية بين الجنوب والشمال، بعكس دول حاولت الأكثرية أن تبخس حق الأقلية مما أوجد حروباً أهلية طاحنة مثل ما حصل في سيريلنكا حين حاولت الأكثرية السينهالية إقصاء الأقلية التاميلية عن المناصب المهمة.

قصة هذه الطبيبة التي تغلبت على كثير من المعوقات تعد مثالاً حياً على أهمية التعليم وعلى وفاء الوطن لأبنائه دون النظر إلى الانتماء المذهبي أو المناطقي أو غيره.