مؤسسة بحثية ألمانية ضخمة، تضم شبكتها اليوم ثمانين معهداً ومؤسسة بحثية في أربعين موقعاً عبر ألمانيا، يعمل فيها حوالي خمسة وعشرين ألفاً، معظمهم من العلماء والباحثين الشباب، ميزانيها السنوية تتجاوز الملياري يورو سنوياً، كل ما سبق معقول ويمكن أن تجده في دولٍ كثيرة؛ لكن ما يثير الدهشة أن أكثر من 70 % من تمويل هذه المؤسسة البحثية الضخمة يأتي من القطاع الخاص! ولا تدفع الدولة سوى أقل من 30 % من ميزانية المؤسسة.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بأربع سنوات، ورغم أن ألمانيا كانت لا تزال في مرحلة إعادة الإعمار والبناء بعد الهزيمة من الحلفاء تأسست هذه المؤسسة، لتحمل اسم عالم الفيزياء والبصريات الألماني "جوزف فون فراونهوفر"، الذي تميز عن مواطنيه بمهارته الفائقة على الربط بين البحث العلمي النظري وبين التطبيق العملي، ليكون شعار المؤسسة تحويل البحث العلمي إلى تطبيقات تجارية ملموسة على أرض الواقع.

حققت المؤسسة الكثير من النجاحات المتواصلة، فهي تدفع الباحثين للبحث عن تمويل لدراستهم وأبحاثهم من واقع مشاكل ومستقبليات القطاع الخاص، ولك أن تتصور أن بعض ملفات الصوت كانت من براءات اختراع المؤسسة، الذي بقي سنوات طويلة يدر عشرات الملايين على المؤسسة من رسوم ترخيص الاستخدام التجاري. وصلت أقصاها عام 2005 بمئة مليون يورو!

ونظراً للنجاحات المتتالية امتد عمل المؤسسة خارج ألمانيا، لتفتتح ستة مراكز في أميركا وثلاثة آخرين في آسيا، ولتصبح الحكومات الأجنبية من أهم عملائها، مثل مشروع نظارات الواقع الافتراضي لصالح الحكومة الدنماركية لحل إشكالية شق قطار جديد في منطقة سكنية، أو استخدامها في كوريا الجنوبية عبر تزويد السباحين بها، ليحظوا بتجربة افتراضية للسباحة في قاع محيط أو بالقرب من شعب مرجانية.

على العكس من أغلب مؤسسات البحث العلمي الحكومي من الضروري أن يتمتع علماء وباحثوا "فراونهوفر" بمهارات الاتصال والتسويق، حتى يتمكنوا من التواصل وجذب مستثمري القطاع الخاص لتمويل أبحاثهم، ناهيك عن تنبوئهم باحتياجات الأسواق ومستقبلها، هذا التنافس والاهتمام جعل متوسط براءات اختراع المؤسسة يصل إلى براءتي اختراع اثنتين كل يوم! ولتشمل فروعاً علمية وتطبيقية مختلفة.

بالتأكيد أن هذا النموذج الناجح من الممكن استنساخه لدينا في مراكز البحوث والجامعات العريقة وبالذات مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، لكن لابد من وجود نظام مالي مرن وقيادة إدارية طموحة تضع نصب عينها متطلبات القطاع الخاص، بعد أن يتوقف عنها الدعم الحكومي ويضحي لا خيار أمامها سوى تحويل البحث العلمي إلى تطبيقات حقيقية على أرض الواقع وليس مجرد بحوث نظرية لا تسمن ولا تغني من جوع.