يتساءلون عن اليتم.. ثم لاتتشقّق صدورهم ليختبئ فيها الأيتام كلّما روّعهم الفقد...!*** اليتْم عراء العمر فجأةً.. عاصفةٌ من الخوف والجوع تهبّ من جهة الفقْد.. تخترق الأضلاع باتجاه القلب ثم لاتتوقّف حتى تقذفه في بحر الوجع..

فراغٌ وجوديٌّ لاينتهي.. وجعٌ يتلاءمُ على الفرح، تماماً كما يتواءم مع الأحزان...

إنه عمرٌ آخر يكفله الآخرون، فيهدّده الموت كل ساعة..

اليتْم سفر الوحيد إلى بلادٍ يجهلها.. انتهاء آخر الأنفاس بفراغٍ لا تملأه التنهدات..

واليتم حالةٌ يقينية لاتفنى ولا تنتهي ولا تشبع منا.. أوجاع آبائنا قبلنا فأوجاعنا بهم، ثم تتمادى فلا ينتهي بها الأمر في أوجاع أبنائنا بعدنا...

إنه فصل خامس بخيل من فصول الحياة تتعرّى فيه شجرة العمر حتى لو كانت في ربيعها..!

واليتم حزنٌ مخبوءٌ في جيوب الغيب.. نعرفه يقيناً كالموت، لكننا نحيا به كلما مات الآباء فينا.. فكأنما هو حياة موت أو موت حياة، لافرق بينهما حين تجتمع الأيام على فقدٍ سواء!

لاأعرفُ في الإنسان أنّى كان وكيفما وُجِد إلا وتأخذه عاطفته ليتيم يهدهد روحه ولو بنظرةٍ آمنة..

ولا أعرف عن كل يتيمٍ على الأرض إلا ويبحث عنها في كل وجهٍ يلتقيه..


ولليتيم ملامح ضياع ..

وَجْهٌ يمتزج فيه الغموض بالخوف والسؤال بالإجابة.. والحنين بالنسيان..!

دمعةٌ لا يجهلها القلب ولا تتجاوزها الشهقة.. ولا تتولاها الظنون..!

كأنما في راحة كل يتيم برد طويل.. وفي عينه لمعةٌ لاتنطفئ .. وعلى شفتيه كلامٌ ينتهي عادةً قبل أن ينتهي..!

واليتيم وحده من يقف مشدودًا كوترٍ حزين بين ذكريات أمسه، ووعيد غده، فلا تلامسه أنامل السؤال إلا حزنًا، ولا يدوزنه إلا أهل الجنة..!


بنيّ الصغيرُ..

إذا اكتظّ صيف الرمال على صدري الهشِّ

واستنشقتني أنوفُ القبورْ..

فكن مثلما كنتُ حين رمقتُ أبي..

يصبُّ المياهَ على نخلةِ الدارِ

يخصبُ أعذاقها للطيورْ

ويقرئني سيرة الفجرِ

يهجسُ بي صوتُه كلما حطّ في نخلةِ الدارِ عصفورُ نورْ..

فماتَ .. ومازالتِ النخلة الآنَ تشرب من ماءِ عينيَّ

والطير مازال بكر الحضورْ...!