في مواصلة الحديث عن النقد الأدبي حيث كانت محطة الاستراحة عند كتاب (الغربال) لميخائيل نعيمة ونقده اللاذع السَّاخر لأمير الشعراء أحمد شوقي، واليوم لاستكمال الموضوع تكون البداية بالناقد مارون عبود الساخر بعمق والجارح بشدة، في كثير من مواضيعه، حيث تعود أن يقول بوضوح دون مواربة لكي يبرز هيبته، فصال وجال في الساحة دون معارضة من أحد، إذ طال نقده الكثير من الأَعْلام في العالم العربي، فكل أثر يصله أو يراه يضعه على المحك "نقدات عابر" و"مجددون ومجترون"، وما بعد ذلك من كتبه التي كانت في معظمها إن لم تكن في مجملها متخصصة في النقد الساخر.

لقد كانت النقلة التي تلت تلك المرحلة (الْمَارعَبُّودِيَّة) متأنية قامت على التدقيق والدراسة فيما يشبه المنهجية لدى بعض النقاد، وكان د. محمد مندور الذي قدم دراسات نقدية شاملة لا تهاجم ولا تهادن حيث تُقَدِّمُ وتُقَوِّم، وفي فترته كان أنور المعدَّاوي يشحذ قلمه ولكن برفق دون أن يجامل، ويحرص أن يعطي الموضوع حقه ويضفي عليه ما يناسبه من الصفات، وفي المرحلة تشكلت حركة النقد المنهجي الذي اختاره (مندور) وعاد إلى منابع التراث وقارن بالحديث، وكان د. محمد غنيمي هلال يتوجه إلى التنظير في الأدب المقارن وبعض الإلماعات النقدية التي كونت ميداناً واسعاً في مجال النقد الذي بدأ يمازج بين العنف واللاعنف في محاولة للوصول إلى مسار صحيح من شأنه لفت النظر إلى هذا الأدب، الذي يوصم بالتقوقع وعدم الوصول إلى الآفاق العالمية -تلك كانت العقدة- بسبب قلة الترجمات والنقل من الآثار الأدبية كما هو حاصل الآن.

تجيء مرحلة مهمة جداً قَدَّمَ فيها نقَّاد منهم رجاء النقاش، وغالي شكري، وجلال العشري عدداً من الدراسات الأدبية سواء عن أديب معين كما فعل غالي شكري في كتابيه عن توفيق الحكيم (ثورة المعتزل) ونجيب محفوظ (المنتمي) إضافة إلى كتبه الأخرى مثل "شعرنا الحديث إلى أين"، "أزمة الجنس في القصة العربية"، وغير ذلك من كتبه البعيدة عن السخرية والتعنيف، وقد كانت مقدمة رجاء النقاش لديوان أحمد حجازي (مدينة بلا قلب) إضافة إلى كتابيه (أدباء ومواقف) و(أصوات غاضبة) تتسم بالنقد الموضوعي الهادئ المتسم بالإبداع داخل الإبداع، وجلال العشري (ثقافتنا بين الأصالة والمعاصرة) ضمن المرحلة التي تميزت عن سواها وفتحت باباً جديداً.

جاءت مرحلة بزغت وسادت فترة كانت ترتدي قفاز الحداثة، ثم ما بعد الحداثة، ودخلت التفكيكية والتشريحية في كافة العالم العربي تعتمد على التنظير والمصطلحات المنقولة حتى أنها تنقل عند البعض بلغتها الأصلية دون ترجمة، وبالرغم من التوجه السائد إلى كتابة الرواية في الداخل والخارج لم تواكب الدراسات النقدية هذا المنتج الضخم، بل إن بعض الناقدين جذبته سمعة ودعاية الرواية فسار مع الركب وكتبها، فهل يعني هذا التخلي عند النقد؟

الطريق طويل والتنقلات كثيرة بين النقد، والشعر، والقصة، والرواية، فهل الوقت الراهن (هذا ما يريد المتلقي) وهل يأتي النقد بشكل جديد أم لا يأتي؟!