في يومنا هذا نرى الناس أكثر استبشاراً وأوسع أملاً فيما يتخذه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان من قرارات أبهرت العالم في هذا التطهير من الفساد..

السعادة مصطلح مبهَم، يظل الفرد منا يسعى طيلة عمره للبحث عنها! وقد تعددت آراء الفلاسفة والعلماء في تعريفها، إلا أنهم لا يزالون يبحثون في سرها الخفي. فلو عرف الواحد منا خبيئاتها لأفتدى في طريقها بما يمتلك دون هوادة، ولكن الله عز وجل جعل فيها ذلك السر الخفي لكي يستمر في السعي الدؤوب لتعتمر الأرض على الدوام. ومما لا شك فيه أن السعادة هي في التقرب واليقين والثقة والحب من الله تعالى وهذا قولاً واحداً في بداية هذا المقال.

هناك تفسيرات سواء كانت فلسفية أو عقائدية لهذا الشقاء الإنساني اللاهث وراء الحصول على السعادة. فعلماء السيكولوجي أمثال أحد الرواد (كارل روجرز يرجعونها إلى نظرية الذات والموضوع؛ وتتلخص في أن الإنسان قد فُطر على استعادة ذاته التي انفصلت عن موضوعها وفي مراحل عدة؛ وعلى سبيل المثال أن الطفل يلتصق بأمه في بداية السنين الأولى وأن من أولى صدماته هو فطامه وهو انفصاله الأول عن أمه، وقيل لحظة الولادة ولذلك كان يبكي حين خروجه من رحم أمه! ثم يتوالى سعيه فيما بعد في محاولاته الدؤوبة لاستعادة وحدة ذاته بموضوعه! ولذلك يجد اللذة في المحاكاة والتعبير بالفن كما في الرسم وفنون العمارة والشعر والتأليف والتقليد وكل صنوف الإبداع كما فسرها عالم النفس (إدموند بيرك). كما أن هناك تفسيرات عقائدية بأن الإنسان حينما خرج من الجنة يظل في سعي دائم لاستعادة جنته المفقودة فلا يشعر بالسعادة إلا حينما يرى الجمال أو يصنع شيئاً من صورته التي تقترب وخياله الدافق نحوها، فيسعى للتملك والبنين وامتلاك المال والعمران ولكل ما يطوف بخياله لكي يحصل على شيء ولو كان ضئيلاً من تلك الجنة المتخيلة بالنسبة له والتي هي موضوعه الذي انفصلت عنه ذاته بقدرة الله وبإرادته عزل وجل كما يرون.

وتظل هناك أمور دنيوية قذف الله بذرتها فينا، لنبحث عنها، ولكي نعمل بشكل دائم لكي نبلغها هي سر السعادة وسر الشقاء، وهذا هو الكبد الدائم الذي لا ينقطع إلا من رحم ربي؛ وهنا يكمن السر كما أسلفنا.

السؤال الملح علينا هو: هل يحصل الفرد منا على كنزه الدفين وإن حصل على شيء منه فكيف نسمح لذواتنا بالسطو عليه فنحول السعداء إلى أشقياء؟

سؤال محير! ولا نستطيع الإجابة عليه، لكننا نسبياً نحصل على لحظات من السعادة الوقتية التي لا ننكرها، وفي هذه اللحظات يفرح الإنسان منا بأنه حقق أو قل تحقق في أمر حصل عليه حتى وإن كان لحظياً. ولكن الأمر المؤلم هو أن هناك أفراداً منا ومن بني جلدتنا لا يجدون سعادتهم إلا في السطو على ما حققه الآخرون، لأنهم طفيليات غير مبدعين وغير مفكرين وغير فاعلين سوى في كيفية أن يستولي على ما في جيب أخيه أو زوجته أو منصبه أو ماله أو علمه الذي أفنى وقته وماله في سبيله، وهنا يطلق عليه قدماء العرب صفة «الخسة» لأنه خسيس والخسيس عند العرب لا يُصاهر، ولا بيع له ولا شراء، والوصمة الكبرى أن لا شهادة له كما أنه يطرد من القبيلة فلا مكان له بين الرجال ولا في مجالسهم وتنتزع منه كل أمواله فيهيم ذليلاً يبحث عن قبيلة تأويه وهو ما يسمى (حق الإجارة). حينها يحرق ثوبه أمام الناس ويبرأ من قبيلته، فيُسمح له بالعيش عن طريق أي حرفة ولكن لا يسمح له بامتلاك الأرض أو حتى المشاركة في الرأي ولا حتى النسب! ولذا كان للشرف ميزانه، وما حافظ عليه هو ما يسمى في علم الاجتماع بـ (الضبط الاجتماعي) والذي خفت وطأته الآن في ظل النزوح للمدينة ما يطلق عليها (المديَّنَة)؛ هذه المديَّنَة هي التي سمحت بذلك الفساد المستشري فينا وفي أوطاننا وسمحت بالسطو والسرقة لسعادة البشر فلم يعد أحد يعرف أحداً فخفت وطأت اللوم الذي هو سوط الجماعة، فيأتي فرد خارج عن حدود الهوية العربية بعد حدود الله فيمهر بتوقيعه صفحة، أو يغسل مالاً، أو يستغل مكانته، أو يمد يده على مال الدولة الذي يمثل بيت المال في بداية عهدنا، ويستحل لنفسه في غفلة هذا السطو، فيتسبب في شقاء البشر فيصبح من وجهة نظرنا هو (سارق السعادة) وكم من كفؤ قابع في بيته لأن هناك من لا يعرفه!

الغريب في الأمر - والمنافي لأعرافنا التي تميزنا عن غيرنا – هو أننا أصبحنا نعرف السارق لكننا نقدم له التحيات والتبجيلات وهذا هو أكبر خلل في عملية الضبط الاجتماعي والذي هو أكثر صرامة من القوانين المدونة لأنه أكثر وقعاً على النفس والذي كانت تخشاه العرب وتعمل له ألف حساب.

في يومنا هذا نرى الناس أكثر استبشاراً وأوسع أملاً فيما يتخذه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان من قرارات أبهرت العالم في هذا التطهير من الفساد لكننا نقول له - أبقاه الله وحفظه - إن الفساد لا يزال متجذراً في كل مكان ونحن واثقون أنه سيقطع دابر سارقي الفرح والسعادة من بيننا وبقوله (كائناً من كان) ستظل كلمة مأثورة تسطَّر على مدار التاريخ.