لا يمكن أن تتوقع من شاب يحصل على مصروفه اليومي من والده أن يبحث جاداً عن وظيفة، أو أن تتوقع منه الاتجاه للعمل في القطاع الخاص ما دامت الوظائف الحكومية بمغرياتها متاحة، هذا يخالف المنطق.. ولو استشارني صديق لنصحته باختيار الوظيفة الحكومية حيث الرواتب وخارج الدوام والمكافآت وبدلات النقل وغلاء المعيشة والعلاوة السنوية والإجازات وساعات العمل الأقل والأمان الوظيفي.

منطقياً لا دافع للاتجاه للقطاع الخاص وتحمل ساعات العمل الطويلة والرواتب المتدنية والأمان الوظيفي المعدوم ما دام الخيار الحكومي موجوداً، وأن المسألة مسألة وقت حتى تأتيك الوظيفة الحلم وتشغل «مرتبة» مريحة إلى الأبد..

ورغم أن رؤية المملكة 2030 تستهدف تحفيز القطاع الخاص على استيعاب أكبر عدد من المواطنين وخلق وظائف جاذبة لهم؛ لخفض مخصصات الرواتب وما تستقطعه من الميزانية العامة للدولة، إلا أن الذي يحدث يخالف أرض الواقع؛ حيث لا تزال الخطط بعيدة عن طموحات السعودة.. وهو الأمر الذي يهدد جهود إحلال السعوديين ويفاقم أرقام العاطلين؛ كما نشرت ذلك رسمياً إحصائيات هيئة الإحصاء.

ولأننا مللنا تبادل الاتهامات بين الشباب العاطل والقطاع الخاص والجهات الحكومية فإن ما نغفل عنه هو المقارنة بين القطاعات المتاحة، حيث من المنطقي أن نضع أنفسنا مكان الشاب الباحث عن العمل وننظر ماذا سيختار؟ ولماذا يتجه إلى الوظيفة الحكومية؟.. مع الإيمان بأن القطاع الخاص لا يستطيع إعطاء ذات المميزات التي تمنحها الوظيفة الحكومية حالياً؛ فمع كل إعلان وظائف حكومية تحبس الشركات أنفاسها بانتظار هجرة موظفيها، وبالتالي لا تعتمد عليهم كما تعتمد على المقيم الذي هو فعلاً «مقيم»!

لذلك فإن ثقافة الوظيفة الحكومية تشكل عائقاً أمام برامج السعودة ولا بد من مواجهتها، وإلا فسنبقى ندور في ذات الحلقة المفرغة إلى أن تحل كارثة العجز عن دفع الرواتب، وتفاقم أرقام العاطلين.. لأننا وفق المعطيات لم ندرك بعد ضرورة أن نلتزم بمعادلة حاجة العاطل للوظيفة وحاجة القطاع الخاص للموظف وحاجة الحكومة لخفض مصاريف باب الرواتب.. فإذا ارتفعت أرقام البطالة فإن ذلك لا يعني أن الحكومة مسؤولة عن توظيف العاطلين في وزاراتها بل يعني أن أنظمة وخطط العمل عاجزة عن خلق وظائف تستوعبهم في سوق العمل الحقيقي.

فالعاطل لن يحتاج وظيفة في القطاع الخاص ما دامت الحكومة توظف، والقطاع الخاص لا يحتاج موظفين سعوديين ما دامت أنظمة السعودة عاجزة، والجهات الحكومية لن تتخلص من التهافت على وظائفها ما دامت تنافس القطاع الخاص.

لا أقول أن تتوقف الحكومة عن التوظيف بالتأكيد تحتاج موظفين؛ بقدر ما أدعو إلى توحيد قواعد المنافسة مع القطاع الخاص ودعم «تسرب» الموظف الحكومي إلى القطاع الخاص والعمل الحر مهما استدعى ذلك من تنازلات تستهدف في النهاية القضاء على ثقافة الوظيفة الحكومية.