عندما أحرق بوعزيزي جسده احتجاجاً على ضربة كف طائشة، وغير محسوبة العواقب، زج النظام بكل ثقله من أجل إطفاء النار عن جسده، واعادته للحياة، لكنه أصر وبقوة على الموت، مات بوعزيزي ومشى خلفه الشعب التونسي في جنازة مهيبة تاريخية، لفقير معدم من العالم الثالث، لم يكن في حساباته عندما أحرق نفسه، أي ثمن سياسي سوى امتعاضه الشديد على مصادرتهم لعربة الخضار التي يتكسب منها لقمة عيشه، دفن بوعزيزي، وانفجرت تونس من أقصاها إلى أقصاها، في مظاهرات غاضبة كاسحة، حتى أسقطت النظام، فأصبحت روح بوعزيزي رمزاً خالداً في وجدان الشعب التونسي، لأن الشعوب عندما تُقمَع قمعاً جائراً، فإنها تنتفض ضد جلَّادها، لأن حركة الشعوب أياً كانت هي حركة واحدة في التصدي للظلم والطغيان، مستلهمة ذلك من خلال رموز هذه الشعوب.

واليوم يثور الشعب الإيراني مدفوعاً بروح الطالبة الجامعية ندا آغا سلطان، التي سقطت بنيران الحرس الثوري، في مظاهرات احتجاج قبل سنوات ضد الظلم والاستبداد، وساح دمها بين جموع المتظاهرين في العاصمة طهران، فحاولوا إنقاذها لكنها لفظت أنفاسها الاخيرة، أمام كاميرات وعدسات مراسلي الصحف والولاكات العالمية، لتكون روحها رمزاً في وجدان الشعب الايراني، وإدانة صارخة للقمع والقتل، الذي يمارسة النظام الديني الراديكالي، المتسلط على الشعب الايراني قبل سنوات، واليوم يثور الشعب الإيراني مدفوعاً بروح ندا آغا سلطان، ضد القمع، والتسلط، والقبضة الحديدية، التي صادرت حقوق الشعب الإيراني، في الاستقرار والتنمية والسلام، منذ أن حطت طائرة الخميني المشؤومة بأرض إيران، والشعب الإيراني يدفع ثمناً باهظاً في كل مناحي الحياة، فقد تغيرت إيران كلياً، حيث قمعت الحريات وتراجعت مدَنِيَّة ايران في الثقافة والسياسة والفن وجميع مناحي الحياة الأخرى، فعلى سبيل المثال كان ملك الفستق إيرانيا، وملك السجاد إيرانيا، وملك الكافيار إيرانيا، وملك السينما إيرانيا، وحتى السياحة فقد كانت وجهة السائح آنذاك مدينة تبريز وشيراز، كل هذه المهن المدنية التي يحترفها الإيراني ماتت، وأصبحت من الماضي، تحت أولويات إعادة إنتاج الأيديلوجيا الدينية، وتصدير الثورة، وحتى لو نجح الحرس الثوري في قمع هذه المظاهرات، وهو أمر وارد إلا أن روح ندا سلطان، تبقى رمزاً خالداً وعميقاً، في وجدان كل إيراني يسعى إلى الحياة المدنية والحرية والعيش الكريم.