بزغت شمس سوداء في رأس شاعر من أعظم شعراء العربية على الإطلاق، وخاصة في الوصف والسخرية والهجاء، فهو يصف كرسّام، ويسخر كنحات، ويهجو كجزّار، ويصف مشاعره كجرّاح .. إنه علي بن العباس بن جريح، المشهور (بابن الرومي) لأن أصله من الروم، وله من اسم جده ( جريح) أوفى نصيب، فقد توالت عليه الكوارث والخطوب، مات أحب أولاده إليه ، ولم يجد التقدير الذي يليق به ، ولا العطايا الجزلة التي حظي بها نظراؤه الشعراء، ومع شدة نهمه للحياة وحبه للمال وحرصه عليه فقد كان متشائماً جباناً ضربه الاكتئاب المصحوب بوسواس وخوف، قال يصف نفسه:

(حريصاً جباناً أشتهي ثم أنتهي بلَحْظي جناب الرزق لحظَ المراقبِ)

من قصيدة في غاية الروعة والوصف الدقيق لمشاعره الإنسانية قالها حين دعاه أحد الولاة للسفر إليه وسوف يغنيه ويجزل له العطاء، ولكن لابد من ركوب البحر للوصول إلى ذلك الوالي الكريم ، هنا بدأ الصراع المدمّر في نفس الشاعر وأظلم حسه بشمس سوداء بزغت في رأسه من صنع نفسه فقال قصيدةً خالدة منها:

أذاقتنيَ الأسفارُ ما كَرَّه الغِنَى

إليَّ وأغراني برفض المطالبِ

فأصبحتُ في الإثراء أزهدَ زاهدٍ

وإن كنت في الإثراء أرغبَ راغبِ

حريصاً جباناً أشتهي ثم أنتهي

بلَحْظي جناب الرزق لحظَ المراقبِ

ومن راح ذا حرصٍ وجُبْنٍ فإنه

فقيرٌ أتاه الفقرُ من كل جانبِ

ولما دعاني للمثوبة سيّدٌ يرى

المدح عاراً قبل بَذْل المثَاوبِ

تنازعني رغْبٌ ورهب كلاهما

قويٌّ وأعياني اطِّلاعُ المغايبِ

فقدمتُ رجلاً رغبةً في رغيبةٍ

وأخّرتُ رجلاً رهبةً للمعاطبِ

أخافُ على نفسي وأرجو مَفازَها

وأستارُ غَيْب اللّهِ دونَ العواقبِ

ألا مَنْ يُريني غايتي قبل مذهبي

ومن أين والغاياتُ بعد المذاهبِ؟