نعم سعد الفريح.. من منا خاصة في هذا العالم المليء بالأسماء - عالم الإعلام المقروء والمسموع والمرئي - أقول من منا لم يسمع عن هذا المخرج العلم تواضعا وطيبة وايثارا ومن منا هنا في المملكة العربية السعودية لم تكتحل عيناه بأسلوب أبي وضاح في التعامل مع الكاميرا رقياً وشفافيةً واحترافاً وبطريقته حتى في امضاء اسمه على الشاشة منذ إن كانت فضية إلى أن تزينت بألوان الطيف البهية.

سعد الفريح كان استاذا في الاخراج بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى وقد تكون هذه الشهادة مجروحا فيها كونها صدرت من تلميذ في حق معلمه ولكنها الحقيقة حتى بالنسبة للغالبية العظمى من مخرجي الجيل الثاني أمثال الزملاء الأعزاء والمبدعين والأساتذة محمد مقبل العتيبي، حسن الحمدان، وخالد الطخيم، وانا هنا لا أنصب نفسي متحدثا نيابة عنهم بقدر ما أسجل ما أعلمه من تأثرنا جميعا بمدرسة سعد الفريح الاخراجية ورؤيته لأنجع الأساليب التي تساعد المخرج على التميز في ما يقوم به من عمل وأكاد ان أجزم بأن هذا التأثر قد وصل بطريقة أو بأخرى إلى الأخوين العزيزين والمبدعين في عالم الدراما السعودية عامر الحمود وعبدالخالق الغانم.

لم تكن ملاحظاته وتوجيهاته النقدية مباشرة حتى تؤتي ثمارها تماما عكس ما يفعله غيره من الذين لا هم لهم سوى تثبيط الهمم وزرع الاحباط كلما لاحت في الأفق بوادر نجاح لمخرج جديد.

سعد الفريح كان رحمه الله مثالا نادرا للمخرج الذي يفرح لنجاحات غيره ولا غرابة في ذلك لمن عرف إنسانيته ووطنيته وحبه لشاشة بلده وغيرته عليها، هذا يقودنا بالتالي للحديث عن ولائه لبلده المملكة العربية السعودية وقادتها وأهلها وناسها وتفانيه في هذه المحبة لدرجة حرصه الشديد على أن يرتبط اسمه بكل المناسبات الوطنية وغيرها مخرجا ومشاركا وموجها.

حب أبي وضاح لوطنه ليس مستغربا فهذه فطرة جبل الإنسان السوي عليها وعندما يكون هذا الوطن بمكانة واهمية هذه المملكة أعزها الله فإن التضحيات والحرص على الأفضل دائما تكون قليلة في حقها مهما بلغت حجمها وهذا في تصوري ما كان يجول في خاطر سعد الفريح وهو يجوب أنحاء المملكة راصدا هذه الانجازات رغم تقدمه في العمر، أذكر مرة وهو يسجل برنامجا خاصا عن اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية ان عرض علينا بالجرافكس قصيدة باللغة العربية الفصحى تتحدث عن مآثر الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه وغفر له فقال أبوضاح إن هذه القصيدة لا تمثل شيئا قياسا بما قام به هذا القائد الذي لم تنجب النساء مثله في هذا القرن وان المؤرخين والشعراء والكتاب لم ينصفوا هذا الرجل الاستثنائي.

يذكر الكثير عصبيته عند تنفيذ برامجه وهي لم تكن كذلك بقدر ماهي قلق وتوتر ناتج عن حرصه الشديد على درجة جودة العمل والإتقان فيه ينتهي كل ذلك فور الانتهاء من العمل لدرجة الاستغراب هل هذا هو حقاً نفس الشخص الذي كان قبل قليل يوجه وينادي بصوت مرتفع اختلطت فيه العربية والإنجليزية بطريقة عفوية.

الإتقان والحرص على الجودة العالية لم يأتيا من فراغ بل كانا محصلة لجهد دؤوب منه رحمة الله عليه لإبراز ما يوكل إليه من برامج في أحسن صورة ممكنة يعطي فيها عصارة خبرته وذائقته الفنية المبدعة ما يجعلها تتميز عن غيرها.

ففي كوادره (لقطاته) ترى مزيجاً من الاصالة والشموخ والاعتداد بالنفس بزواياها وظلالها وإضاءاتها وكأنها تحكي بأن خلف هذه الصور مخيلة فنان يرسم بكاميراته لوحات من نوع خاص قل أن تراها في أعمال غيره من المخرجين.

والكلام حول احتفائه بمن يتفانى في عمله ويجيد فيه يطول واسألوا أن شئتم واحداً من هذه النماذج أخ وعزيز وشقيق من بلد عزيز وشقيق ألا وهو الأخ الزميل نبيل شعبان من مصر الأدبية كيف كان له حظوة عند سعد الفريح لدرجة الثناء عليه وترديد اسمه حتى عند اولاده وضاح وعبدالعزيز كل ما يمكن ان يقال في هذا الجانب الوضاء في حق أبي وضاح قليل وأمثاله في هذا الزمان الذي ما خلا فيه جسد من حسد -إلا ما رحم ربي - يعدون على الأصابع في هذه الدنيا الفانية.

لا نملك إلا أن نقول رحك الله يا سعد الفريح وإنا على فراقك يا أبا وضاح لمحزونون وإنا لله وإنا إليه راجعون.