شاهدت قبل فترة فيلما وثائقيا عن مصنع المال في واشنطن.. تعجبت من ضخامة الـرزم النقدية التي تخرج منه وتحملها الرافعات الشوكية (كـطبليات).. تساءلت عن شعور العاملين في المصنع نفسه، كيف يستلمون رواتبهم بدولارات يطبعون الملايين منها كل يــوم؟.. هل يشعرون بالظلم والقهر(كونهم يعملون طوال اليوم مقابل أوراق يصنعونها بأنفسهم) أم أن إحساسهم بالمال تـبـلد (فأصبحوا ينظرون للأوراق النقدية كدولارات مانابولي مزورة)...

من المدهش أن طبع ورقة الــ100 دولار لا تكلف أكثر من 13 سنتا فقط (وهذا يعني أن الحكومة الأمريكية تصرف 13 سنتا لتكسب 99,87 دولار)..

وبطبيعة الحال جميع الدول تطبع أوراقا نقدية، ولكن الفرق أن الدولار الأميركي مقبول عالميا ويتيح لأميركا شراء أي شيء من العالم بمجرد طبع المزيد من الأوراق (بل ويمكنها توفير قيمة الورق من خلال خلق ائتمان مالي بالدولار في حساب الدولة المصدرة)..

وتقدر وزارة الخزانة الأميركية وجود أكثر من ترليون ونصف الترليون دولار يتداولها البشر حول العالم.. والسبب الوحيد الذي يجعل لهذه الأوراق قيمة هو ثقة الناس في الاقتصاد الأميركي واتفاق شعوب العالم على أخذها وصرفها دون تحفظ (رغم أنها مجرد ورقة لا تملك قيمة في ذاتها)...

وبالطبع لم يكن هذا حال البشر حتى عام1971.. فالانسان طوال تاريخه كان يتداول بالذهب والفضة والسلع التي تملك قيمة في ذاتها (وليس ورقة لاتساوي فعليا 13 سنتاً).. ولكن، لتسهيل التعاملات المالية بين الناس ابتكرت بريطانيا عام1821 مايدعى الغطاء الذهبي.. ففي هذا النظام يبقى الذهب في خزائن الدولة، وتصدر الدولة في المقابل أوراقا نقدية يسهل على الناس حملها وتداولها (معادلة لقيمة الذهب).. وسرعان ما قلدتها بقية الدول (بما في ذلك أميركا) بحيث لو ذهب أي شخص بالأوراق النقدية للبنك المركزي يحق له استبدالها بالذهب والفضة.. غير أن حرب فيتنام والأزمات الاقتصادية التي ضربت أميركا في السبعينات جعلت الرئيس نيكسون يعلن عام1971عن الغاء قاعدة الغطاء الذهبي للدولار ـــ فأصبح الدولار فعلياً لايساوي شيئا غير قيمته الاسمية وثقة الناس بأكبر اقتصاد في العالم...

والآن لنفترض أن أميركا أعلنت فجأة عدم اعترافها حتى بالأوراق النقدية الموجودة مع الناس (كما سحبت الهند اعترافها بالألف روبية في نوفمبر2016 كي تجبر المتهربين من الضرائب على استبدالها).. في هذه الحالة ستتبخر ثقة الناس بالدولار وتضيع ثروات من يكتنزونه باستمرار.. حدثت هذه الظاهرة كثيرا في السابق حيث انهار الدينار العراقي بعد حكم صدام حسين، والمارك الألماني بعد هزيمة ألمانيا النازية، والدولار الزمبابوي بسبب الافراط في طبعه (لدرجة أصبحت الدولة تحذر الناس استعماله كورق مراحيض)...

ـــ وبناء عليه خذها مني نصيحة:

(استمتع بصرف الدولارات ولكن حين يتعلق الأمر بالإدخار طويل المدى عليك بالذهب والعقار وكل سلعة تحمل قيمة في ذاتها)...