توفر للمملكة أهم شروط قيام النهضة لدولة نامية كالمملكة هو وجود قائد تتوافر لديه أهم صفات القيادة وهي القوة والعدل وسعة الأفق وحسن الإنصات، فهو القادر وحده على تذليل الصعاب والتغلب على عوائق التقدم من فساد مالي وإداري وبيروقراطية..

هل المملكة على أعتاب نهضة اقتصادية واجتماعية تشمل كل نواحي الحياة؟ سؤال يتردد في المحافل الدولية، وفي الداخل خاصة بين طبقة المثقفين وأساتذة الجامعات، البعض شبه متأكد من أن ما قامت به الدولة من خطوات في مجال إصلاح الاقتصاد ومكافحة الفساد ومحاربة التطرف والاحتفاء بالحياة كفيل بتحقيق الرؤية 2030 والانتقال من الدولة الرعوية والمجتمع غير المنتج إلى دولة حديثة ومجتمع حي ومنتج، والبعض الآخر متخوف من ألا تتحقق كل طموحات القيادة بسبب سرعة المتغيرات وتدني مخرجات التعليم والتدريب والتي ستقود القاطرة قبل وبعد عام 2030. الجدل مستمر والنقاش ظاهرة صحية، والنقد البناء مطلب وطني حتى نقلل الأخطاء ونستفيد من مختلف الآراء المتفائلة والمتشائمة على حد سواء، فكل منهما ينطلق في حكمه على الأمور من خلال خبراته وقراءاته، والأجمل هو تقبل القادة وعلى رأسهم خادم الحرمين الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد هذا النقد، بل والتشجيع عليه واستقباله بصدر رحب، فلا شيء كتلاقح الأفكار والاستفادة من كل التجارب التي قامت على أساسها نهضة الأمم، فلا حاجة بنا إلى إعادة اختراع العجلة وأمامنا نماذج تمثل تجارب الناجحين في قيادة الدول.

وتتجلى أحدث التجارب في نهضة دول جنوب شرق آسيا وعلى رأسها سنغافورة وكوريا وتايوان واليابان والعملاقان القادمان بقوة وهما الصين والهند. أما التجارب الفاشلة فهي الأكثر، وللعالم العربي النصيب الأكبر منها، ذلك أنها لم ترزق بقائد يهتم بالإنسان تعليماً وتدريباً والذي يمثل أهم عوامل امتلاك القوة وضمان نجاح النهضة الحقيقية والمستدامة، وأول تجارب النهضة الحديثة بدأت بمصر على يد محمد علي باشا الذي أسس لنهضة مصر في بداية القرن التاسع عشر، وقال عنه المؤرخ الجبرتي: "فلو وفقه الله لشيء من العدالة على ما فيه من العزم والرياسة والشهامة والتدبير لكان أعجوبة زمانه وفريد أوانه". ونفس الشيء ينطبق على من بعده وخاصة الرئيس عبدالناصر الذي امتلك كاريزما القيادة والفصاحة في الخطابة، لكنه نحا صوب عسكرة الدولة المصرية وأدخلها في حروب أنهكت مصر، وكمم الأفواه وأمم الجامعات، وأصبح التعليم يقاس بالكم لا النوع فدمر الاقتصاد وزاد الفقر وانتشر الفساد وهكذا كان الوضع في كل الأنظمة العربية التي ابتليت بالانقلابات العسكرية.

اليوم تعيش المملكة بداية نهضة شاملة تتضح ملامحها من خلال ما تقوم به الدولة من خطوات وخطط وأوامر وإجراءات تهدف كلها إلى إصلاح شامل لبناء اقتصاد قوي ومجتمع صحي، ومن هنا أود التأكيد على الأسس الآتية:

أولاً. توفر للمملكة أهم شروط قيام النهضة لدولة نامية كالمملكة هو وجود قائد تتوافر لديه أهم صفات القيادة وهي القوة والعدل وسعة الأفق وحسن الإنصات، فهو القادر وحده على تذليل الصعاب والتغلب على عوائق التقدم من فساد مالي وإداري وبيروقراطية، وهو القادر على حسن اختيار القادة، وتقوية جميع مؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث، يساعده في ذلك وجود نظام وطني يحسن اختيار وتدريب الصفوف الأولى والثانية من القادة وفي وقت مبكر حتى تستمر المسيرة، وتتحقق الإصلاحات بالسلاسة والسرعة المطلوبة.

ثانياً. العمود الفقري لنجاح الرؤية هو التنمية البشرية والاستثمار في الإنسان، وهذا يتطلب مراجعة شاملة للمناهج التربوية والتعليمية والتدريب وجعلها تهتم بإيقاظ العقول وتنميتها وتنمية قدرتها على النقد والإبداع وملكة الخيال، والتركيز على التربية في المراحل الأولى لبناء مواطن يهتم بنفسه ومن حوله من أسرة ومجتمع وبيئة، وبث روح التسامح والإخاء وقبول الآخر، مع التركيز على إعداد علماء المستقبل في الأبحاث والتطوير والإبداع والصرف بسخاء على هذه الأنشطة.

ثالثاً. أكثر طبقات المجتمع حاجة للعناية والاهتمام هي الفئة الأقل دخلاً، وخاصة التي تعيش على الضمان الاجتماعي فهذه هي التي يجب التركيز عليها لإخراجها من دائرة الفقر والحاجة، وتمكين المرأة من العمل الحر الشريف، ومنع أطفال الأسر قليلة الدخل من التسرب من المدارس وحثهم على التفوق واختيار التخصصات التي تناسب قدراتهم حتى يصبحوا عامل قوة للمجتمع، بعكس آبائهم وأمهاتهم الذين لم تتح لهم الفرصة، وهذا يتطلب تضافر جهود الدولة بكل قطاعاتها وبشكل خاص وزارة العمل ووزارة التعليم والصحة ومنظمات المجتمع المدني.

سرعة تطوير التعليم بكل مراحله ومنه المرحلة الجامعية يعد من أهم وسائل تحقيق التنمية البشرية وضمان نجاح خطط المملكة وتحقيق رؤيتها 2030 وسرعة وصولها إلى العالم المتقدم.