الكثير من العلماء يؤمنون أن سبقهم العلمي ضربة معلم لابد من تقديرها والإيمان بصحتها، لكن القلة القليلة منهم من يقاتل حتى يثبت صحة ما يقول، والنادر من يعرض حياته للخطر فقط ليثبت للجميع أنه على صواب!

أحد هؤلاء هو الطبيب الأسترالي "باري جيمس مارشال" الذي يعمل أستاذ الأحياء الدقيقة السريرية في جامعة أستراليا الغربية، "مارشال" لم يكن موافقاً على الاعتقاد المتوارث أن سبب حالات قرحة والتهاب المعدة هو التوتر أو الطعام ذو البهارات، ذلك أنه ومنذ أن عين طبيباً مقيماً في مستشفى بيرث الملكي قبل أربعين عاماً، والتقى رفيق دربه العلمي عالم الأمراض "روبن وارن" وهما يعملان على دراسة التهاب المعدة، ثم تطور عملهما لدراسة الارتباط بين وجود بكتريا "الملوية البوابية" وبين الإصابة بالتهاب، وخلال عامين تمكنا من استزراع تلك العضيات سلبية الغرام أليفة الهواء القليل، ليتأكدا من ارتباطها بإصابات قرحة المعدة والإثني عشر وحتى سرطان المعدة عبر استعمارها لمخاطيات تلك الأعضاء، غير أن المجتمع الطبي لم يتقبل هذا الانقلاب، ذلك أنهم استبعدوا قدرة البكتريا على العيش في الوسط الحمضي للمعدة، كان الهجوم شديداً ولم يتقبل فكرته الجديدة سوى قلة لا تذكر من الأطباء، حاول إثبات الفكرة عبر إصابة حيوانات التجارب معملياً بالبكتريا عام 1984م لكنه للأسف فشل! غير أن ذلك لم يثنه عن القيام بمخاطرته الكبرى لإثبات نظريته؛ لأنه كان مؤمناً بها ومتأكداً من صحتها حتى لو كلفه ذلك حياته!

قام باستزراع عضيات حيّة مستخرجة من معدة مريض لبكتريا "الملوية البوابية" في طبق بتري، ثم شربُه كما لو كان يشرب مرقاً من البكتريا! وسرعان ما أصيب بالتهاب المعدة، ليؤكد صحة نظريته؛ أن تلك البكتريا هي سبب هذا الالتهاب وليست الأسباب التي كان يعتقد بها.

نشرت هذه الدراسة في الدورية الطبية الأسترالية عام 1984م وأضحت أكثر الدارسات إشادةً واقتباساً، هذه المخاطرة قلبت بروتوكلات العلاج رأساً على عقب، ليصبح الإجراء المتبع حين الكشف عن وجود البكتريا في معدة المصاب هو القضاء عليها أولاً، عبر تطبيق العلاج الثلاثي أو العلاجي الرابعي في حال فشل خط العلاج الأول. ليس هذا وحسب، بل وبعد عشر سنوات من تحقيقهم السبق، حصل الدكتور "مارشال" وزميله الدكتور "وورن" مناصفة على جائزة نوبل للطب لتحقيقهم هذا السبق.

لا يزال الدكتور "مارشال" يدير معمله في جامعة غرب أستراليا بمدينة بيرث، ولا يزال يحمل نفس روح المغامرة، فمن يدري ماذا يشرب مرة ثانية ليثبت نظرية جديدة!