لم يخلق الله ملائكة تمشي بيننا على الأرض، ولم يخلق شياطين نراها تمشي بيننا كذلك، وإنما خلق بشراً تتلبسهم وتظهر عليهم سيماء الملائكة، وخلق بشراً تتلبسهم وتظهر عليهم سيماء الشياطين وأرواحها.

والله حين خلق خلقه لحكمة هو العليم بسرها جعل من حكمة خلقه أنه قائم على التناقض والتضاد كالليل والنهار، والسواد والبياض والنار والماء والسحاب والتراب والكره والحب والكرم والشح والحنظل والعسل والحرب والسلم. هذا التناقض والتضاد بين الإيجابي والسلبي هو من عناصر هذا الوجود ومن نواميسه الثابتة في كل شيء بما في ذلك البشر أنفسهم، فهناك أناس خيرون يعملون على نشر الخير والوصل والحب بين الناس، لا يعتدون ولا يظلمون، ولا ينشرون العداوة والفتنة، ويفرحون بعمل الجميل ويأنسون بنشر السعادة والخير بين البشر، وهؤلاء نجدهم دائماً سعداء، منشرحي الصدور، مشرقي الوجوه، ترى عليهم سيماء السعادة والحبور، وهؤلاء يمثلون الجانب الإنساني المضيء، المناقض تماماً للجانب المظلم المنطفئ، والذي يمثله الإنسان، الشرير الذي تحل فيه الروح الشيطانية، فتراه كارهاً، عابساً معادياً للخير، تراه دائماً مصدر بؤس وشؤم تغلي في داخله مراجل البغضاء، يتمنى زوال نعمة الله على الآخرين، أنانياً، يتلذذ بممارسة الخُبث والنكد، وإشعال الفتن بين الناس، وداخل المجتمع، وهذا عادةً يكون إنساناً رخيصاً بلا أخلاق أو قيم أو دين يزجره عن فعل الفاسد والمشين من الأعمال، ولهذا تراه يُشترى ويُباع في سوق الذمم، فهو يتقلب وفق المصلحة والهوى وينفذ ما يطلب منه أعداء الأمة، فهو عبء على الدين والأخلاق، عبء على المجتمع والأفراد، ومن طَبيعته أنه لا يعرف الخجل أو الحياء، ولا يتمتع بما يتمتع به الفرسان، من الشهامة والمروءة والخلق الرفيع، ومن ثم فهو منحط وحثالة، لا يشتهر أمره إلا بالشذوذ المنكر، وبأحاديثه السخيفة التي تدل على الرقاعة والمجانة والهجانة، والانحطاط. وهذا وكما أسلفت ممن تحل فيهم الروح الشيطانية المناقضة للروح الملائكية الرحمانية!

طبعاً هناك طبقة وسطى سائدة وهي التي تجمع بين الروحين، روح الخير وروح الشر، وهذه إنما تتصرف تلقائياً وحسب الظروف المحيطة بها، فمرة تغلب عليها روح السكينة والوقار والرحمة، ومرة أخرى تحل فيها الروح العدائية أو الروح الشرسة، وهذه كما قلت لا تتعمد فعل الشر، ولا تنكر فعل الخير، وإنما هي تنقاد للمؤثرات المحيطة والتي تلعب دوراً مهماً في سلوكها، ولكن كما قلت فالشر ليس طبعاً متأصلاً فيها، وإنما هو أمر طارئ ما يلبث أن يذهب ويزول.

وعلى العموم فإن ما نحذره ونخشاه هم أولئك الصنف الشرير الذي تحل فيه وتسكنه تلك الأرواح الشيطانية، والذي يعتبر داء يفتك بالمجتمع ويمزق شمله، ويهدم ويحطم بُنيته، بينما نبتهج بأولئك الذين تحل فيهم روح الملائكة، فهم زينة الدنيا التي تمشي على الأرض.