لم أجد وصفاً مناسباً يتلاءم مع الحال التي عليها الآن دولة تركيا، أقرب من المضطربة أو المتناقضة، فحين نشير إلى أنها ذات اقتصاد كبير ومن دول العشرين، يظهر أمامنا تحالفاتها الاقتصادية والسياسية المتوترة الكثيرة، وفق تناقضات تثير القلق، وإن قلنا إنها ديمقراطية متزنة فسنجد من يرد علينا، بما لا تستطيع نفيه، وإن أشرنا إلى أنها إسلامية العمل والتوجه فهناك من سيصدمك بكثير من المتناقضات الدامغة، اقتصادها كبير لكن فجأة تجد عملتها تنهار، ناهيك عن أنها لا تستمر على سياسة ثابتة فقد كانت في حضن الأميركي تستغني بعلاقته عن غيرها وتنفذ سياساته وفجأة بعد رعب إسقاط الطائرة الروسية انتقلت إلى السير خلف بوتين حيث بات الشريك الأكثر ثقة.

يشتم إسرائيل عبر قيادتها لكن رئيسها يكرم الجندي الإسرائيلي المجهول، ويعلن أنه حليفها خلف الكواليس ويثبت سفاراته وعلاقاته التجارية معها، يؤكد أن إيران بلد قمعي وسياساته في سورية ضد تركيا.. لكنه يتخذه حليفاً جديداً ويندد بتظاهرات شعبه ضد ظلم الآيات.. يتلقى سيل الانتقادات والرفض وعدم القبول في المنظومة الأوروبية.. ومع ذلك ما زال مصراً على الانضمام.

رئيسها يريد حلفاء ولم يبقَ أمامه إلا القليل ليوجه حصانه العثماني المريض صوب أفريقيا الجائعة باحثاً عن ولاءات وقواعد عسكرية الأكيد أنه لن يتحمل تكلفتها وحده بفضل محميته الخليجية الغنية.. لكن هل أفريقيا من سيعيده إلى الواجهة؟!.. وتجربة القذافي "ملك ملوك أفريقيا" تبدو هي الماثلة أمامه، تجاه دول تبحث عن المساعدات أكثر من الشعارات.

بعد المغامرات الأردوغانية حق لنا أن نتساءل: ما الذي تعاني منه الرئاسة التركية؟ هل هي عقدة النقص والخوف من البقاء وحيدة بعد أن اكتشف العالم أنها بلا توجه ثابت يُعتد به؟ أم أنها مغامرات سياسية هدفها البحث عن الألقاب رغم إدراكه أنه لن يبلغ أتاتورك ودونه في ذلك حاجزين نفسي وسياسي، ولن يكون الأمبراطور لأن الدستور قد أحرقه مع القضاء على حكم آل عثمان؟

ماذا يريد أن يكون بعد القفز من مكان لآخر تخللتها مغامرات سياسية كثيرة، فهو يحارب بشار وهو واقع في أحضان روسيا وإيران، ويرى في نفسه زعيماً وحامياً لإخوان العالم، حتى ولو تم اكتشاف خبثهم وتم إدراجهم في خانة الإرهاب، ويصرخ أمام "الميكروفونات" متقمصاً شخصية الزعيم الإسلامي، طالت حيرتنا عن هذا الرجل الذي جاهد بكل ما أوتي لكي يكون أوروبيا؟! ولأجل ذلك أفقد تركيا هويتها الإسلامية، والنتيجة رفضه من كل أوروبا.

إلى أين يسير الرئيس بهذا البلد الكبير؟.. أشد ما نخشاه أن تركيا تعيش خريفاً سياسياً الأكيد أنه موجع، لا سيما وأنها وعبر رئيسها تعاني من عقدة الشعور بالنقص وتراجع القيمة وخشية الاندثار، ومن هذا المنطلق يبدو أننا قد نكون فهمنا أسباب تخبط رئيس تركيا في علاقاته وتحالفاته.. ونسأل عن توجهه المقبل بعد أفريقيا؟ هل هي الدول المارقة في آسيا وأمريكا الجنوبية.. لن نستغرب إن فعل؟ فأردوغان ما زال يبحث عن حلفاء؟