المسرح هو ذلك الحقن تحت الجلد هو القوة الناعمة وليس منصة خطابية أو قاعة محاضرات أو قاعة درس. المسرح هو تلمس الطريق للمتعة فحينما نأتي إليه فلا نأتي لبحث قضية أو رؤية مخرج، فنحن نذهب للمتعة والفرجة..

المسرح أبو الفنون اشتقنا له ولعروضه التي امتنعت عن مشاهدتها لما يقرب من العام ونيف، ليس مجافاة للمسرح الذي تندى له نفوسنا وتتنفس له أعماقنا حين ننزوي في ركنه الهادي وظلمة صالته، فنتخذ مقاعدنا ظلمتها، لأننا نخفي ذواتنا أو قل نخرج منها، لندخل خلسة إلى ذوات أخرى هي نحن أو تشبهنا تماما، فننتشي حينما ينتصرون ونبكي حينما يبكون، ذلك لأننا اتخذنا مقعد الذات والموضوع في مقعد يلج بنا فجأة إلى تلك الأعماق التي هي دواخلنا نحن دون غيرنا ، فنتحول جميعا إلى ذات واحدة، وإحساس واحد، أو ضحكة مشتركة، لأننا أصبحنا جميعا ذاتا غير متكررة.

هذا هو المسرح وهنا تكمن اللذة والمتعة عن طريق الدهشة والتوتر واتساع أفق التوقع وأشياء كثيرة تحيلنا إلى أن نصبح سعداء.

بالأمس كانت حكاية أيوب وناعسة - على مسرح البالون وهو من أكبر المسارح في مصر- تأخذنا إلى البعيد القريب، إلى عوالم الحكايات الشعبية بكل جوانبها الفطرية البحتة وبعوالمها المنتشرة بدواخلنا والتي عشناها حينما كنا فطريين مثلها تلقائيين كما كنا؛ فكانت بلا تكلف أو حذلقة مصطنعة، وبلا تجريب أو تخريب أو تبعيد أو تغريب؛ متجردة من كل الإلتواءات الفكرية والفنية التي خربت المسرح العربي إن وافقتموني الرأي!

حكاية أيوب المصري هي حكاية كتبها الفنان الشعبي زكريا الحجاوي، وهي مستلهمة من قصة أيوب عليه السلام، لكنها تبتعد عنها كثيراً ، ولذا سميت "أيوب المصري" حتى لا يختلط الأمر، وبها تفاصيل خيال المبدع بحسب ما تنتح به فطريته وتلقائيته، وكلنا نعلم أن الفن الشعبي دقه وجله يقوم على التلقائية ولذا يجد فيها المتفرج متعته.

أيوب رجل ريفي يصاب بمرض شديد لا يقوى على احتماله مع طول مدته، وله زوجة جميله تغار منها كل نساء القرية ويطمع فيها رجالها، لكنها تتفانى في حب زوجها وتخلص له في عشق وحب يجعلها تجوب الأماكن تذرف الدمع لطلب الرغيف ، وهنا تساومها نساء قريتها على ضفائرها مقابل الرغيف فتستجيب لكي تطعم أيوب!

إلى أي مدى نحن نحتاج لمثل هذا الحس وهذه الرومانسية التي تأخذنا بعيدا عن هموم أثقلت كواهلنا ، فهل يعود للفن وظيفته بغسل دواخلنا المتعبة؟!

لم يكن عرض "أيوب وناعسة" سوى لحظة مبكية مضحكة في الوقت نفسه ولكن هل هذه عبقرية حكاية الحجاوي ورومانسيته وتلقائية وفطرية الفن الشعبي، أم أنه عمل مسرحي جيد أخذ بتلابيبنا إلى مغسلة الوجدان؟ سؤال يجب أن نبحث كنهه ونلج سويا لتفاصيل العرض علنا نجد إجابة لهذا السؤال.

الحكاية أعاد صياغتها المؤلف أيمن النمر فلم يبتعد كثيرا عن الحكاية ولعله قد أبقى عليها كاملة وإنما صاغها لما يتناسب وواقع العرض وزمنه. أما الإخراج والذي قام به المخرج أشرف عزب، فقد اتخذ من المدارس الإخراجية منهج الفرجة الشعبية، والتي جعلنا جميعا ندخل في حميمية واحدة مع العرض، لأنه جعل الديكور لـ ( د. وحيد السعدني) يمتد إلى ما خلف المشاهد وامتدت الخشبة إلى ما بين أيدينا، ومزج في ألوانه بين الأحمر الدال على القهر والحرب وربما الموت، وبين اللون الأزرق الدال على الحلم والسلام والطمأنينة والحب، هذا التداخل المتناقض أحالنا كلنا إلى حالة من التأرجح بين الحب والموت وهو ما نعيشه الآن في واقعنا العربي!

كما أن المخرج قد جعل كل الشخصيات تؤدي بلا تكلف وتخرج وتدخل في شخصياتها بسهولة وهذا ما تقتضيه اللعبة الشعبية في مسرحة العرض.

هذا المناخ الاحتفالي الغنائي وهذه الحالة الممتزجة بأناشيد الذِّكر ورقصات المولوية والتنورة الشعبية أفسح لنا المجال أن ننسى ذواتنا فندخل طواعية في حالة اللعبة والتي سبق أن نادت بها دعوات يوسف إدريس وتوفيق الحكيم والاحتفالية المغربية، نعم تداخلنا معهم فاشتركنا في مناولتهم النقود وتعالي أصوات الحاضرين حينما تنشد الفنانة مروة ناجي بذلك الصوت الأوبرالي الرائع القوي فننسى أننا مشاهدون وتتعالى أصواتنا تحية ومشاركة معها، ولم يكن العرض الذي يعرض لنا رؤية المرض والقهر والجهل والموت سوى لحظة خاطفة ساعدت عليها قفشات الكوميدي الرائع سيد جبر الذي سبق وتنبأ له الدكتور فخري قسطندي رحمه الله حينما كنا طلابا بأنه خليفة الفنان يونس شلبي.

المسرح هو ذلك الحقن تحت الجلد هو القوة الناعمة وليس منصة خطابية أو قاعة محاضرات أو قاعة درس. المسرح هو تلمس الطريق للمتعة فحينما نأتي إليه فلا نأتي لبحث قضية أو رؤية مخرج، فنحن نذهب للمتعة والفرجة، ولكن هنا شيء خفي يصلنا بعد أن ينتهي العرض وهي الرؤية الواضحة الباعثة فينا على اتخاذ القرار والنظر طويلا لأنفسنا ولواقعنا، وهنا تكمن الخطورة وهنا تكمن عظمة المسرح، فحين انتهينا من العرض ومع آخر الكلمات سمعنا دقات قلوبنا تهتز في جنباتنا لمأساة ناعسة التي باعت ضفائرها لأن هناك صراعا كبيرا للظفر بها فتم تجويعها، والتكالب عليها وحينها أدركنا أنها الوطن العربي وإنها ذلك الرمز الذي لا يلين وأن حال المرض والفقر والصراع على السلطة هو ما جعلها تبيع ضفائرها، حينها خرجنا ونحن نقول لا تشتروا ضفائر ناعسة.