فالجامعات تمثل معاقل رصينة للإنتاج العلمي، وقيادة الحركة العلمية والفكرية بسبب ما يتوفر لديها من عقول علمية وإمكانات ربما لا تتوافر للمؤسسات الأخرى..

نحاول ان نتناول أحد الموضوعات الكبيرة بالنقاش وهو موضوع البحث العلمي ولا نظن ان أحدا لا يدرك الأهمية الكبيرة لهذا الموضوع العلمي الكبير في تقدم البشرية فما من دولة في العالم اليوم تنشد التطور الأوهي مدفوعة الى تبني البحث العلمي ذلك ان البحث العلمي أساس التقدم ومصدر القوة في هذا العصر بل في كل عصر وانه الحيز الذي تنبثق منه وتنتظم فيه مختلف التحولات الإنسانية فإستراتيجية البحث العلمي تقوم على الانطلاق من الواقع الراهن لإحداث تغييرات في المستقبل من اجل تحقيق أهداف تلائم طموحات المجتمع تستند هذه الإنطلاقة على ركائز أساسية تعبر عن حاجة المجتمع الى التغيير تقوم على منهجية واضحة ومعايير علمية.

اما الإطار الرئيسي الذي يرسمه هذا الحديث فهو إطار البحث العلمي في الواقع السعودي وإذا ما أردنا ان نقف على هذا الواقع سوف نقف على دراستين تناولتا هذا الموضوع الأولى : البحث العلمي ومؤسساته د. ناصر الرشيد، والثانية مؤسسات البحث العلمي.. د. سالم بن محمد السالم وان نظرة الى الهيكل التنظيمي للبحث العلمي توحي بتنوع الجهات المهتمة بالبحوث النظرية والدراسات التطبيقية وفي هذا الصدد يقول د. سالم بن محمد السالم: كانت بداية إنشاء مراكز البحوث ومراصدها داخل الجامعات، ثم توسعت الفكرة لتشمل قطاعات أخرى حكومية وخاصة، بما في ذلك الوزارات والجمعيات والهيئات العلمية ومعاهد التعليم العالي ومراكز العلوم والمستشفيات ومجالس البحث العلمي والجمعيات العلمية وغيرها من القطاعات العسكرية والتعليمية والصحية والزراعية والتقنية، إضافة الى وحدات البحث والتطوير المتوافرة في بعض أجهزة الدولة.

إلا ان البحث العلمي يتركز في القطاع الاكاديمي الذي تتصدره الجامعات والقطاع التطبيقي الذي تمثله مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بوصفهما أنموذجين لبقية القطاعات البحثية، والواقع انه اذا كانت مسؤولية النهوض بالبحث العلمي وتطويره تقع على عاتق جميع المؤسسات في المجتمع وهيئات البحث والتطوير، فإن العبء الأكبر يقع على عاتق الجامعات لأن رسالتها الحقيقية تتركز حول حل مشكلات المجتمع بأسلوب علمي وتنمية المعرفة وإثراء الفكر وتقديم نتائج البحوث من خلال النشر وتسويق الإنتاج العلمي مما يوحي بأن البحث العلمي يحتل مكانة مرموقة في مؤسسات التعليم العالي.

فالجامعات تمثل معاقل رصينة للإنتاج العلمي، وقيادة الحركة العلمية والفكرية بسبب ما يتوفر لديها من عقول علمية وإمكانات ربما لا تتوافر للمؤسسات الأخرى. فالبحث العلمي يمثل ركنا أساسيا في الرسالة الملقاة على عاتق الجامعات، ولا يمكن ان يطلق على مثل تلك المؤسسات جامعات، اذا لم يكن البحث العلمي يسير فيها جنبا الى جنب مع التدريس. ذلك ان البحث العلمي هو الذي يسهم في رفد المجتمع بكل جديد ومتطور، ويعين الجامعة على تجاوز ما قد يعترض طريقها من معوقات ويعد أداة فاعلة في تطوير مهارات أعضاء هيئة التدريس، وتحديد خبراتهم العلمية، وتزويدهم بالمستجدات فالبحث العلمي يمثل المحك الحقيقي للشخصية الاكاديمية، والبيئة المثالية للبحوث العلمية لاعتبارات عديدة من بينها وجود اعداد كبيرة من الاختصاصيين في هذا النوع من المؤسسات، ووجود المعامل ومراكز البحث ووسائله المتطورة، وتوافر مصادر المعلومات والمكتبات ومراكز المعلومات التي تساعد على القيام بالبحوث والدراسات، ووجود مساعدي الباحثين الطلبة والمعيدين والمحاضرين الذين يعملون على توفير وقت الباحث، ومساعدته على الابداع العلمي فالبحث العلمي يعد من اهم مقاييس الحكم على مدى قيام الجامعات بدورها القيادي، وهو أيضا يؤثر بشكل او بآخر على سمعة الجامعة ومكانتها بين الجامعات الأخرى.

وبالرغم من هذا كله فإن كثيرا من الباحثين والمهتمين بالبحث العلمي في الجامعات يكادون يجمعون على ان كمية البحث العلمي او طبيعته في الجامعات لا ترقى الى لوائح الجامعات ومرافق البحث العلمي فيها ولذلك فلا نستطيع ان نقول ان مؤسسات البحث العلمي قد حققت الأهداف التي وجدت من اجلها الا في حدود ضيقة للغاية ولعل العلاج يكمن في حسن إدارة نشاط البحث العلمي والسيطرة على المعوقات التي تقعد به عن بلوغ الأهداف، وهذا يتطلب التخطيط المنظم للبحث العلمي ويرى د. غازي القصيبي ان الجامعات لم تحقق شيئا مذكورا في مجال البحث العلمي وانما جل تركيزها على البحث النظري او على بحوث علمية لا تحتاجها متطلبات التنمية الاقتصادية او البشرية ويرى ان الحل المناسب يكمن في التركيز على البحوث التطبيقية الميدانية التي يحتاجها المجتمع ويرى ان هناك فجوة بين الأبحاث التي تجرى في الجامعات وبين احتياجات التنمية ومتطلباتها، فالبحث العلمي في الجامعات - وبالذات البحث الموجه لخدمة التنمية - ما زال مقصرا بشكل ملحوظ وقد يكون مرد ذلك الى ان هناك اعتقادا سائدا في الجامعات بأن معظم البحث العلمي الذي يدور فيها هو بحث موجه نحو أغراض الترقية العلمية بالدرجة الأولى، وحيث إن غالبية البحوث تكون منصبة على الترقية العلمية فقد لا يعير البعض أهمية لقيمتها وفائدتها مما يجعلها بحوثا غير متكاملة وغير نابعة من السعي إلى حل مشكلة أو تطوير التنمية.

فالواقع يوحي بأن الجامعات تخدم التدريس اكثر مما تخدم البحث العلمي، وغالبية وقت هيئة أعضاء التدريس يذهب في تأدية وظيفة التعليم على حساب وظيفة البحث.

وقد أظهرت الدراسات أن من بين أسباب العزوف عن الإنتاجية العلمية في السنوات الأخيرة كثرة الأعباء الأكاديمية، واتجاه بعضهم نحو المراكز الإدارية، والانشغال بالإشراف على الرسائل الجامعية، وإضافة الى حداثة غالبية أعضاء هيئة التدريس السعوديين في العمل الاكاديمي، وقلة توافر المادة العلمية اللازمة للبحث في مختلف التخصصات، وقلة المستوى المادي لبعض الأعضاء مما يصرفهم عن التفكير في إثراء المعرفة ويدفعهم الى الانخراط في الاعمال التجارية، يضاف الى ذلك عدم تنظيم الوقت، والعامل النفسي والاستعداد الذهني، وعدم توفر صفات الباحث العلمي لدى بعضهم من حيث حبهم للبحث والاطلاع.

كما أظهرت الدراسات أن هناك بعض الملحوظات التي قد تثار على الإنتاجية العلمية لبعض الأساتذة مثل وجود فجوة بين البحوث والمشكلات المعاصرة، حيث ان بعض البحوث لا تخدم قضايا التنمية.

هذا وقد حاول بعض الباحثين وضع حلول تسهم في ردم الفجوة بين الجامعات وابحاثها وبين احتياجات المجتمع ومتطلبات التنمية وذلك عن طريق وضع الخطط المتكاملة والمدروسة للبحوث والدراسات التي تجريها الجامعة استجابة لمتطلبات التنمية وذلك عن طريق توفير العلماء المجربين الذي مارسوا البحث العلمي واعتادوا على طرقه وإيجاد المختبرات والأجهزة العلمية الحديثة ومصادر البحث ومراجعه من الكتب والدوريات وغيرها من أوعية المعلومات وتوفير البيئة والمناخ العلمي لمساعدة الباحثين على الإنتاج والابداع وعقد المؤتمرات العلمية والندوات والحلقات الدراسية التي تتناول قضايا المجتمع ومشكلاته وتشجيع المشاركة في المؤتمرات العلمية على المستويات المحلية والعربية والدولية.

وان كان هنالك بعض العقبات الى تعوق تقدم البحث العلمي والتي تتركز في ضعف التعاون والتكامل بين مراكز البحث العلمي والخدمات والبرامج المتاحة للباحثين وغياب روح الفريق في المشروعات البحثية وندرة الكوادر البشرية المؤهلة للبحث العلمي ووجود الفجوة بين البحث العلمي ومتطلبات التنمية وعدم وجود سياسة وطنية للبحث العلمي.

مما يتطلب وضع خطة وطنية للبحوث العلمية تنسجم ورؤية 2030 وذلك بإنشاء وزارة للبحث العلمي يكون من مهماتها التخطيط للمشروعات البحثية وتوجيهها لمتطلبات التنمية واحتياجات المجتمع.