تأخذ الفنون منعطفاً مهماً بتعمقها في استثمار الضوء وتوظيفه لإعادة تخليق الواقع، وفي هذا السياق يأتي العرض الذي نظمته بلدية باريس على واجهة كاتدرائية نوتردام، والذي استغرق أربع ليال منذ 8 نوفمبر، تم خلالها استقطاب الجمهور ليحتفي بالسحر الذي أشعل قلب مدينة النور المتمثل في نوتردام التي يلقبها العرض بـ «سيدة القلوب».

وجاء العرض بمناسبة إحياء الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى، وكتكريم لآلاف الجنود من الحلفاء الذي قاتلوا وضحوا بحياتهم في سبيل إعلاء الحرية، وهي رسالة تبثها نوتردام للعالم مفادها السلام، وأن البشر يبلغون أروع صورهم حين يتكاتفون لخير البشر.

وتضمن الاحتفال نصب شاشة عرض ضخمة تستعرض على مدى الأيام الأربعة أحداثاً مذهلة من مجريات الحرب، والاكتشافات الإنسانية التي تمت خلالها خصوصاً في مجال علاج الجرحى واكتشاف وسائل التخدير ومكافحة البكتيريا، واختراع أسطول سيارات الإسعاف الأميركية والذي انبثق كعجيبة منقذة حينها.. أمور تبدو لنا بديهية الآن لكنها تشكل مكتشفات غيرت تاريخ البشرية وأنقذت حياة الآلاف من البشر، ولكأنما حتى الكوارث وجدت لخير بني آدم، حيث إننا وبعلمنا المحدود نحن البشر لا ندرك ذلك الوجه الآخر للأقدار والتي قد تأتي بهيئة سلبية وتضمر الخير أو تأتي كنعم وتضمر الهلاك.

وتضمن الاحتفال بسيدة القلوب عرضاً فنياً من الصوت والضوء، من إنتاج فنان الديجتال الفرنسي برونو سوييه Bruno Seillier، والمذهل أن ينجح النور في إخراج واجهة نوتردام الحجرية لحياة نابضة، إذ وعلى مزامير سيمفونيات موزارت اندفعت الحجارة بعمر مئات السنين في حماستها فرقصت وأرقصت الوحوش الفاتحة لأفواهها على الميازيب حارسة لنوتردام، وخرج التقاة عن صمتهم على الواجهة وحركوا أذرعهم محيين، وانهمرت شلالات نور يتبدل بهياً من الأقواس التي حمت الأحدب كوزيمودو الطالع خالداً لا يموت من مخيلة الشاعر الكبير فيكتور هيغو.

عروض مجانية متاحة للجميع تثري ليالي باريس، والمثير للانتباه الإجراءات الأمنية المشددة لحماية الاحتفالية، حيث يتطلب حضور العرض تسجيل اسم المشاهد من خلال الحجز الإلكتروني وذلك للتحقق من هويات المشاهدين، هذا بالإضافة لحضور العسكر بالرشاشات يحومون بأرجاء المكان، إنها إرادة الحياة تجري جنباً إلى جنب مع إرادة الموت، الفن جنباً إلى جنب مع العنف. هي بصمة عالمنا اليوم.