تقدير المواقف -أياً كان نوعها سياسياً أو أمنياً أو استخباراتياً أو حتى اجتماعياً- لم يعد رأياً يعبّر عن وجهة نظر، أو شعوراً داخلياً مشحوناً بالمشاعر والعواطف، أو حتى حكماً استباقياً بناءً على تجارب مماثلة، ولكنه علم خاضع للأدلة والبراهين، وتحليل مركب لمجموعة من الظروف والتفاعلات والعناصر المؤثرة؛ بهدف معرفة الواقع واستشراف المستقبل، من خلال استعراض عناصر القوة وأوزانها النسبية، والفرص المتاحة للاستثمار، والمخاطر والتحديات الناتجة عنها، وأبرز الاحتمالات والتوصيات والسيناريوهات المتوقعة، وصولاً إلى القرار الذي نبني عليه موقفاً.

العالم يواجه أحداثاً على أكثر من صعيد، وتنشط معها الدبلوماسية السياسية والعمليات الاستخباراتية للوصول إلى المعلومات، وتقديرها، والتعامل معها، وتبقى في كثير من تفاصيلها محاطة بسرية تامة، وتوازنات نسبية في التعاطي معها، ومحاذير أحياناً في التعبير عنها أو التعليق عليها، ولكنها -أي المعلومات- ليست حكراً على دولة أو نظام من دون آخر، وإنما متاحة للجميع، وتحديداً المعنيين بها في إقليم ما، وبالتالي أي تردد أو تخوّف منها يزيد من أعبائها في اتخاذ القرار، أو تخلفاً عن المبادرة في صناعة المواقف وانتظار ردود الفعل بشأنها.

نحن في المملكة لدينا العشرات من مراكز بحثية وأخرى للدراسات الإستراتيجية بعضها تابع مباشرة لجهات حكومية، والبعض الآخر خاصة يتم التعاقد معها داخلياً وخارجياً، وجميع تلك المراكز على تعددها المفيد نسبياً، واجتهاداتها في التحليل؛ تسعى إلى هدف مشترك هو تقدير المواقف أمام صانع القرار، ولكن لديها إشكالات في اختبار ذاتها عندما تقيس ردود الفعل على القرار الخاطئ الذي شاركت فيه، وتسعى إلى تبريره أكثر من معالجته، إلى جانب أنها لم تخرج من فكرة التبعية في بناء المواقف، كذلك التقليد في صياغة المقترحات والتوصيات التي لا تحتمل مدحاً مبالغاً فيه ولا ذماً يجوز السكوت عليه، إضافة إلى تأخرها في تقدير المواقف أو عدم تحديثها بما يستجد من معطيات ومتغيرات.

أسوأ تقديرات المواقف حينما يتم تجاهل الجمهور أو التقليل من ردود فعله خاصة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، رغم ما يملكه اليوم من سلطة حضور، وتعبير، وقدرة على تغيير كثير من المواقف والقرارات، حيث لا يمكن أن يكون هناك قرارات تُتخذ من دون ردة فعل تحتاج إلى دراسة وتحليل وتقدير لما ستكون عليه مستقبلاً.

كلما كان الجمهور شريكاً في صناعة القرار كلما كان تقدير المواقف أقرب إلى الواقعية، وأكثر تفهماً، وقدرة على الانسجام بين ما يراد تحقيقه في مرحلة ما، وبين ما هو مطلوب الوصول إليه على المدى البعيد، وفي كلا الحالتين لن يكون هناك هاجس من أي ردة فعل!.