شاهدت بدهشة عالية كوكبة من المهاجرين العرب، يجوبون شوارع كندا، يتقدمهم خندبة بن شَرّ الشقلبي، ينددون بالقوانين الكندية، ويدعون إلى إسقاطها وإسقاط النظام الكندي برمته، باعتباره نظاماً جائراً وكافراً، وإقامة خلافة على أنقاضه، تقيم العدل، والحرية، والكرامة للمواطن الكندي، يريدون للمدن الكندية أن تنعم بما تنعم به بعض المدن العربية من عيش كريم؛ باعتبارها تتصدر قائمة المدن النموذجية الأكثر سعادة بالعالم. من وجهة نظر هؤلاء القادمين من كواكب فضائية مجهولة، لكم أن تتخيلوا حجم التناقض الصارخ، فهؤلاء الذين يطالبون بتغيير النظام الكندي، هربوا في يوم ما من جحيم أنظمتهم، ونفذوا بجلودهم من معتقلاتها، وسجونها الباردة، في رحلة هروب كبيرة وشاقة، تجشموا خلالها الأنهار، والجبال، والبحار، والمحيطات، حتى حطت رحالهم أرض كندا الكافرة، ومنذ الوهلة الأولى لوصولهم، جادت عليهم بالعطاء، فعملت الأنظمة الكندية على تأهيلهم اجتماعياً، ليمسحوا الآثار النفسية الرهيبة التي عانوا منها كمهاجرين، ثم آوتهم في بيوت أنيقة، ودرست أبناءهم في مدارس مجانية، ومنحتهم ملفات صحية، وأعطتهم الجنسية كمواطنين كنديين لهم كامل الحقوق، واعتبرتهم ثروة ثقافية لكندا.

منحتهم الأمن والكرامة والسلام، ومنحوها الجحود والنكران، في سابقة مخالفة لجميع الأعراف الإنسانية، والأديان السماوية، لقد استباحوا كندا في أقوالهم وأفعالهم، وقدموا أنموذجاً متخلفاً ومدمراً للعلاقات الإنسانية السوية، وصورة بشعة للعربي المسلم، لقد دقوا إسفيناً في نعش العلاقة مع الآخر، وأصبح حلم الهجرة الذي يسكن وجدان الأغلبية الساحقة من سكان العالم الثالث شيئاً من الماضي، والسؤال هو: لماذا لا يندمج ويذوب المهاجر العربي مع تلك المجتمعات؟ هل هو بسبب عسر في الثقافة العربية أم ماذا؟ وقبل الإجابة على هذه التساؤلات المرة، أعود بالذاكرة إلى السنين الخوالي من ممارساتنا التربوية، وحواضننا الاجتماعية، والثقافية إبان الصحوة الغابرة، والتي لها دور في ترسيخ الكثير من العادات الثقافية المعتلة، التي وقفت سداً منيعاً في القدرة على الاندماج والانصهار والتعايش بسلام مع الثقافات الإنسانية الأخرى..

أيها الناس "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".