أشار الشاعر السوري علي أحمد سعيد (أدونيس) إلى أن الحديث قد كثر في عالمنا العربي حول قصيدة النثر ومشروعيتها ومدى مناهضتها للشعر العربي الموروث؛ وليس من وراء مثل هذا الحديث طائل، لأن الأهم هو الشعر نفسه. وقال أدونيس في لقاء مفتوح معه في مؤسسة باشراحيل للإبداع الثقافي بالقاهرة: ليس المهم قصيدة النثر أو الوزن، المهم هو الحديث عن الشعر نفسه، الشعرية داخل النص أياً كان. لقد صرنا نتحدث بالترهات للأسف الشديد، وصار الشباب يتخرصون بأن قصيدة النثر قد ألغت الشعر العربي، وهذا لم يحدث. الشعر حالة عامة، والقصيدة نظام وبنية، وأعظم ما في الشعر مثل أعظم ما في الحب .. لا نستطيع تحديده، فهل يمكن أن يقول أحد: ما الحب؟!

وحول اللغة العربية وإشكاليات استخدامها في الوقت الحاضر قال أدونيس: اللغة العربية بشكلها الفصيح صارت منفصلة عن الحياة، إن الطفل يتحدث في بيته لغة ويذهب إلى لغة أخرى في المدرسة، فيحدث له انفصام لغوي يؤدي إلى انفصام ثقافي، ومن هنا يطالب البعض بلغة دارجة للاستخدام. وبالنسبة لي، أحب أن أكتب بالفصحى حتى وإن وُصفتْ بأنها تموت، ولن أكتب إلا بها. وهذا لا يعني أنني معادٍ للغة الشعب الدارجة. فجميع اللغات في العالم لها مستويان: لغة فصحى، ولغة دارجة، وقد تكون المسافة عندنا بين الدارج والفصيح أبعد وأشد منها في لغات أخرى، ومن حيث المبدأ فإن الخطأ ليس في اللغة ولا في النحو ولا في الصرف، وإنما في العقل الذي يستخدم هذه اللغة. فنحن العرب يجب أن نعترف بأننا لم نعد نعرف لغتنا. فالمشكلة أكثر تعقيداً، وكل النظريات حول اللغة العربية الآن هي نوع من الهرب من مواجهة مشكلة العقل الخلاق، فطاقة الابتكار عند العرب حالياً هي المضمحلة، لذلك يريد البعض إنزال اللغة إلى مستوى هذه الطاقة وإنزال البشر إلى هذا المستوى، فالمشكلة إذن في طاقتنا الخلاقة وليست في لغتنا العربية التي تبقى أعظم ما يتخيله الإنسان. وقد نزل القرآن الكريم بلغتنا، ونحن نستحقها، إنما يجب أن نثبت أننا نستحقها.

شارك في اللقاء الذي عُقد مع الشاعر أدونيس كل من الشاعر الدكتور عبد الله باشراحيل، ومصطفى عبد الله، وإبراهيم زقزوق، وإسماعيل عقاب، وفهد الشريف. وقال أدونيس (الذي فاز منذ عامين بجائزة مؤسسة باشراحيل) في رده على من يتهمونه بأنه يتعرض في كتاباته للإسلام: لم أكتب كلمة ضد الإسلام بوصفه ديناً ورؤية للعالم، وإنما انتقدتُ الممارسة والفهم للنص القرآني، وانتقدت التأويل السائد للإسلام، وسأستمر في نقدي هذا. أنا مسلم ابن الثقافة الإسلامية، ولو كان الإسلام لا يهمني لتحدثت عن قضايا أخرى، لكن الإسلام يسكنني في دمي وحياتي وثقافتي، لذلك أغضب للإسلام وأناقشه، وأتحدى أي شخص أن يأتيني بكلمة واحدة كتبتها ضد الإسلام، وحينما أدعو مثلاً إلى قراءة القرآن قراءة عصرية؛ فهذا ليس معناه الانتقاص منه أو إزالة أي شيء منه بطبيعة الحال، بل إن الاجتهاد مدعاة للتعريف بعظمته وقيمته.

وأشار أدونيس في حديثه إلى رفضه التام للتكفير الذي تمارسه بعض الجهات أو الأشخاص ضد المسلمين، وقال: لقد أوضح الحديث الشريف بما لا يدع مجالاً للشك أن (من كفّر مسلماً فقد كفر). وتساءل أدونيس: كيف لمسلم أن يدعي القدرة على تكفير الآخرين؟! وحينما سُئل أدونيس سؤالاً مباشراً في الندوة: «أتشهد بالشهادتين؟!»، أجاب: «نعم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله».