الممتع في المكان المولد للأساطير أنه يتمتع بذاكرة قوية جداً، فالكل يعرف حكاية هذا المكان لكن الكل كذلك يتوه في تفاصيله والحكايات الصغيرة التي تحاك حوله. لا أكذبكم القول: إنني من الذين يستمتعون بتوليد الحكايات الجديدة حول الأمكنة وأرى فيها حيوية اجتماعية وقدرة على الإبداع..

عندما بدأ المرشد السياحي (الذي اتفقنا معه كي يرينا معالم نيودلهي) كلامه صار يتحدث عن مدينته بفخر واعتزاز وقال: سأريكم اليوم المدينة التي تجمع في جنباتها عدة مدن. حديثه المبالغ فيه كان مثيراً بالنسبة لي لأنه كان نابعاً من "عشق" للمكان ومحاولة لتوظيف المعرفة إلى دعاية للمدينة التي أتى منها وتمثل الرمز السياسي والثقافي لبلاده. أثناء جولتنا في العاصمة الهندية اقتربنا من "بوابة الهند" فقال: ألا تذكركم هذه البوابة بباريس وبقوس النصر وهذا الشارع بالشانزليزيه، إنها بنيت في العشرينات من القرن الماضي تخليداً للجنود الهنود الذين شاركو في الحرب العالمية الأولى. كان ردي عليه أن نيودلهي لا تشبه أي مكان آخر وكل مدينة لا تشبه أي مدينة أخرى أو هكذا يجب أن يكون الوضع، تفرد المدينة بذاكرتها هو ما يجعلها خالدة في أذهان الناس، وما ينسجه الناس من أساطير حول هذه الذاكرة هو الذي يجددها. لم أكن أقصد بالتأكيد أن أقلل من حماس الرجل لمدينته لكني كنت أريد أن أقول له: إنني سأستمتع أكثر عندما أشعر أن المكان الذي أزوره للمرة الثانية في حياتي (وكانت المرة الأولى عام 1992م) متفرداً في كل شيء.

المدن تصنع الأساطير، وخصوصاً تلك المدن التي تمتد في الزمن ويعيش فيها أناس يتمتعون بخيال واسع. الأماكن عادة ما تثير المخيلة وهذا ما حدث عندما كنا في طريقنا إلى مدينة "أغرا" عاصمة المغول المسلمين الذين حكموا الهند منذ منتصف القرن السادس عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر. في هذه المدينة يقع تاج محل، أحد أعظم المباني المعمارية التي أنتجتها الحضارات الإنسانية. الحكايات التي ينسجها المرشدون السياحيون حول هذا المبنى غالباً ما تبدأ بنفس البداية لكنها تتفرع إلى حكايات وأساطير أخرى ينسجها كل منهم حسب الموقف والجمهور والزمن الذي تصنع فيه الأسطورة. الجمهور دائماً لديه رغبة في سماع القصص الغريبة التي تحول المكان إلى متخيل وخارج الصورة الواقعية. ربما هذا ما يميز الأمكنة التاريخية فهي مولدة للحكايات الجديدة التي تتناسب مع السياق الزمني الجديد. فكل مبنى تاريخي يعيش في أزمنة لاحقة متعددة تجعله يتجدد ويكتسب حيوات جديدة.

عندما توقفنا في منطقة "قطب منار" في دلهي وهو موقع بناه قطب الدين أيبك من المماليك في القرن الثاني عشر الميلادي ويتميز بمئذنته العملاقة المدهشة، فقد قرأت عن هذا الموقع لكني لم أتوقع أن حجم المئذنة بهذه الضخامة. مبنى الجامع أنشئ على أنقاض 28 معبد هندوسي وآثار النقوش الهندوسية مازالت موجودة على أعمدة الجامع الذي لم يعد جامعاً الآن.

على أن أكثر ما يشد الناس في هذا الموقع هو قاعدة المئذنة الأخرى التي لم يتم الانتهاء من إنشائها. الزوار يبحثون عن الغامض المثير للخيال، هذه المئذنة غير المكتملة تسمع القصص فلكل قصته وكل واحد لديه الأسباب التي جعلت من بدأ في بنائها لا يكملها. الأسطورة التي ترتكز على حدث تاريخي حقيقي هي ما يبحث عنه الناس، لابد من بداية يمكن مشاهدتها وبعدها ينطلق الخيال لصنع أحداث جديدة. هذا ما لاحظته في تاج محل فالناس تندهش من المبنى في البداية لكنها تهتم أكثر بالسرداب الذي يمتد باتجاه القبلة ويصل إلى مبنى الجامع المقابل لمبنى الضريح ويوجد فيه قبر ممتاز محل وشاه جيهان. المكان الغامض الذي تثار حوله الحكايات وتنسج في كل زمان عنه أساطير جديدة.

الممتع في المكان المولد للأساطير أنه يتمتع بذاكرة قوية جداً، فالكل يعرف حكاية هذا المكان لكن الكل كذلك يتوه في تفاصيله والحكايات الصغيرة التي تحاك حوله. لا أكذبكم القول: إنني من الذين يستمتعون بتوليد الحكايات الجديدة حول الأمكنة وأرى فيها حيوية اجتماعية وقدرة على الإبداع لأنها تعكس مخيلة المجتمع وقدرته على التفاعل مع السياقات الزمنية وإعادة ولادة المكان من جديد حسب ما تقتضيه الظروف والأحداث. هذه الحيوية التي تتمتع بها بعض الأمكنة هي التي تصنع الفرق في كل مدينة وتجعلها متفردة وحية.