يعرف الناشر في الغرب أن فصل الشتاء فصل للقراءة بامتياز، فيبدأ موسمه الأدبي في الخريف، موسم القطاف، يعرض ثمار جهده السنوي بطرق مغرية، يجند طاقمه الإعلامي لإيصال المعلومة حول منشوراته لأكبر عدد من القراء، وتبدو المهمة صعبة لمجتمع متخم بالقراءة، والمكتبات والمؤلفين والأدباء والناشرين والإعلام الثقافي بأنواعه، يبدأ الموسم دسماً ثقيلاً، غنياً، ثم يخف في موسم الامتحانات، إذ حينها تجد دور النشر المختصة في الكتاب المدرسي ما تثري به مكتبة قرائها من طلبة المدارس والجامعات، أما في عطلة الربيع فهناك إطلاق لكتب الصيف، حيث النوعية أقل ثقلاً على القارئ، كتب من نوع " كتاب الجيب" صغيرة حجماً، خفيفة لتوضع في حقائب البحر والتخييم في الجبال، قصص مسلية، بوليسية، رومانسية، شعر، ثقافة عامة، وكلها توفر للقارئ خلوته الخاصة مع نفسه.

والخلاصة دون سرد كثير من التفاصيل، فإن القارئ بكل أنواعه يجد "مؤونته" الأدبية والثقافية متوفرة طيلة أيام السنة في المكتبات، فيحضر الكتاب في البيوت والحافلات والقطارات والطائرات والمخيمات والشواطئ، يرافق الفرد حيثما يحل، و يعطيه ثروة فكرية هائلة تغنيه عن الحملقة في الناس، والتجسس على خصوصياتهم، لكل شخص هناك عالم خاص به، يعزله عمّن حوله ويغنيه عن التسلي بالآخرين.

تتوالى الفصول عندنا ونحن منهمكون في انشغالاتنا التي لا تنتهي، فلا نعرف لا صيفاً ولا خريفاً، لا شتاء ولا ربيعاً، حتى في عطلنا تمص الأسواق أنصاف أدمغتنا، والمطاعم الأنصاف الباقية، ثمة سر في هذا الهوس بالمأكل والملبس، إذ يبدو أننا خرجنا من مجاعة ضربتنا حتى العظم على مدى عصور من الزمن، ولهذا تختلف مواسمنا عن مواسم القراءة في العالم، في الصيف يحلُّ علينا موسم الأعراس بامتياز، فتصاب نساؤنا بسعار اقتناء المجوهرات والمكياج والفساتين، فتجد المرأة عندنا في موسمها المفضل ترتدي ثروة ولو أنه زُجَّ بها في مغارة علي بابا لما عرفت أنها سيدة عادية من سيدات مجتمعنا لأنها حسب أثقال الذهب والحرير والتافتا والدنتيل والتُّول التي ترتديها لا يمكن سوى أن تكون أميرة من أميرات ألف ليلة و ليلة...! لا ربيع عندنا إنه فصل لا يعنينا، لهذا جعله الله قصيراً جداً علينا، يمر مرور الكرام، وإن كان شعراء الزمن الجميل ينتظرونه لتجديد قرائحهم فإننا اليوم نعرفه بموسم التسوق للصيف، أما الخريف فهو موسم شراء الأدوات المدرسية وثياب الأولاد ودفع الأقساط والتحضر للمدارس والجامعات، الآباء هنا تتحوّل رؤوسهم إلى مكنات حسابية، تكفي كتب الموسم الدراسي لتجعله يلعن من اخترع الورق.

هؤلاء نحن، وأولئك هم، لهم دينهم ولنا ديننا، لكن هل يمكن أن نصاب بعدوى حبهم للكتاب؟ كل الأمنيات لكم بسنة مليئة بالقراءة.