من المهم توسيع دائرة العبادة وعدم اقتصارها على العبادات المعروفة من صلاة وزكاة وصيام وسنن، بل يجب أن يركز في المناهج الدراسية على فقه المعاملات وبيان أثرها على الفرد والمجتمع..

تعجبني بعض القصص التي ترد في مواقع التواصل الاجتماعي ومنها قصص الرحمة والتسامح، لكن للأسف مثل هذه القصص وما تحمل من معان عظيمة تمر على مسمع المتلقي سريعاً دون أن تترك أثرها عليه وعلى المجتمع بشكل عام، بعكس الكيديات والأخبار غير المؤكدة والتي تسبب البلبلة أو تصنع هالة إعلامية لمشعوذ أو راغب في إثارة الرأي العام ضد شخص أو مصلحة، ومن قصص المودة والرحمة والوفاء قصة ذلك الطفل الفقير الذي يمتهن توزيع المواد على البيوت، وذات يوم أرهقه التعب ونال منه الجوع دون أن يكون لديه إلا قليل من المال، فطرق أحد البيوت ليطلب ما يسد جوعه، لكنه تفاجأ حين فُتح الباب بشابة جميلة تقف أمامه، مما جعله يتلعثم ويخبرها أنه يريد ماءً فقط، لكن الشابة أدركت من هيئته ومظهره أنه جائع فأحضرت له كأساً كبيراً مملوءاً بالحليب وبعد أن شربه بتمهل سألها: كم علي أن أدفع مقابل ذلك؟ أجابته: لا شيء، والدتي علمتني ألا آخذ أجرة على الإحسان للآخرين، أجاب الطفل: إذن سأشكرك من أعماق قلبي. وحين غادر الطفل هاورد كيلي المنزل زاد حبه وثقته بالناس وطيبتهم وازداد إيمانه بالله ورحمته. وبعد أعوام دُعي الدكتور هاورد كيلي لأخذ رأيه في حالة مريضة في حالة خطرة، وعند تفحص ملف المريضة الطبي ومعرفته أنها من تلك البلدة هرع إلى غرفة المريضة وتأكد أنها تلك الفتاة التي قدمت له كأس اللبن حين كان جائعاً في ذلك الصباح، فقرر أن يجعلها أحد مرضاه وأن يعمل ما يستطيع لينقذ حياتها، وبعد جهد طويل تكللت جهوده بالنجاح وكتب الله لها الشفاء، وقد طلب أن يطلع على فاتورة العلاج قبل إرسالها للمريضة وحين تصفحها كتب في أسفل الورقة شيئاً ثم غلفها وأعادها لتعطى للمريضة التي خافت من أن قيمة العلاج ستكلفها أقساطاً شهرية تمتد سنوات، وحين تصفحت الفاتورة والخوف يملأ قلبها وجدت في أسفلها هذه العبارة: "تم دفع قيمة العلاج مقدماً مقابل كأس من الحليب".

هذه القصة ومثلها كثير من قصص الحب والرحمة والتسامح موجودة في تراثنا كما هي في مواقع التواصل الاجتماعي كقصة ذلك المسلم من إندونيسيا والذي عفا عن قاتل ابنه في المحكمة في إحدى الولايات الأميركية وعانقه مما أبكى كل من في المحكمة مع رسالة مهمة وهي أن ديننا يحث على العفو والتسامح، ولهذا أقترح على وزارة التعليم أن تركز على وضع مثل هذه القصص في منهج القراءة وأن تكون الأسرة عوناً للمدرسة على ترسيخ تلك القيم، ومن وسائل ترسيخها ما يلي:

أولاً: من المهم توسيع دائرة العبادة وعدم اقتصارها على العبادات المعروفة من صلاة وزكاة وصيام وسنن، بل يجب أن يركز في المناهج الدراسية على فقه المعاملات وبيان أثرها على الفرد والمجتمع، وألا يقتصر المنهج على إيراد المعلومة، بل يجب أن يراها الطالب في تعامل المعلم معه وتعامله مع المعلم ومع زملائه الطلبة، ومن أهم وسائل ترسيخ قيم الرحمة والتسامح والتعاون تكثيف الأنشطة اللا منهجية التي ترسخ هذه القيم مثل الأنشطة الكشفية وجعلها أحد متطلبات التخرج من المرحلة الثانوية، وكذلك الأنشطة التطوعية للمرحلة الجامعية كالعناية بذوي الإعاقة وكبار السن والتبرع بالدم والانخراط في جمعيات المجتمع المدني كما هو في كثير من جامعات الدول المتقدمة.

ثانياً: الإعلام بنوعيه المرئي والمقروء له دور كبير في نشر الممارسات الجميلة في المجتمع، وإبراز ذلك في المقابلات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية، وتعد خطب الجمعة من أهم الوسائل المؤثرة في المجتمع، خصوصاً حين تعزز تلك القصص بدليل من القرآن والسنة، كما يجب ألا ننسى الدور العظيم للوالدين وما يعلمانه لأولادهم من قيم وممارسات ليس بين أفراد الأسرة فقط، لكن في تعاملهم مع من يشاركهم المسكن كالخادمة والسائق، ومع البائع في السوق وغير ذلك.

المجتمع تتنازعه تيارات وأفكار كثيرة من داخل الوطن وخارجه بفضل وجود ثورة الاتصالات الهائلة التي جمعت أطراف العالم وصنعت منه قرية كونية، ونحن اليوم أمام خيارين إما أن نتولى تعليمهم القيم السامية كالمحبة والتسامح والرحمة واحترام الآخرين والابتسام في وجوههم والمحافظة على البيئة، أو أن نتركهم لكم هائل من المعلومات التي تصلهم في كل لحظة من خلال شبكات التواصل.