المسائل المالية المعاصرة

الادخار: في الشرع والاقتصاد

يقول «لي كوان يو» رئيس سنغافورة الأسبق في كتابه: «من العالم الثالث إلى الأول» النمو الاقتصادي المستدام يضمن الاستقرار، الذي يشجع بدوره الاستثمار ويخلق الثروة، ولأننا اتخذنا القرارات الصعبة في فترة مبكرة، استطعنا إيجاد حلقة متضامنة من المزايا التي يرفد بعضها بعضاً: إنفاق منخفض، مدخرات مرتفعة، استثمارات كبيرة، تكاليف منخفضة للرعاية الاجتماعية».

من هذا النص الذي يحكي تطور سنغافورة التقط كلمة: «مدخرات مرتفعة» للدلالة على أن ارتفاع ادخار الأفراد كما أنه دلالة على النمو الاقتصادي، فهو أيضاً محفز لهذا النمو، وفي المقابل فإن انخفاض الادخار يزعج علماء الاقتصاد، لأن تكوين رأس مال الأمة على المدى الطويل، يقرره معدل ادخارها القومي؛ الذي هو مجموع مدخرات الأفراد، والحكومة، وقطاعات الأعمال. وحين يكون معدل الادخار القومي منخفضاً، فإن معداتها ومصانعها تتقادم، وتبدأ بنيتها التحتية تتراجع. إذاً ارتفاع معدل الادخار مطلب اقتصادي فهل هو أيضاً مطلب شرعي؟ هل حث الشرع على الادخار؟

لا شك أن الشريعة حثت على الإنفاق في وجوه البر، لكن هذا لا يعني أنها لم تشجع على الادخار، ويكفي أن تعرف النصوص الكريمة التي نهت عن إضاعة المال، وعن الإسراف، وعن التفاخر والتكاثر، وعن غير ذلك من مظاهر استهلاكية زائدة عن الحاجة، ولك أن تتصور لو أن المجتمعات المسلمة التزمت بآداب الإسلام في ذلك، فكم من أموال ستدخر.

ومن الشواهد على ذلك ــ كما في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم. قال ابن مفلح: فيه جواز ادخار قوت سنة، ولا يقال هذا من طول الأمل؛ لأن الإعداد للحاجة مستحسنٌ شرعاً وعقلاً.












التعليقات

1

 فهد عبدالله

 2017-12-30 13:52:10

إلتفاتة جميلة منك ياشيخ فهد ..
وأنا أيضا هنا أوجه النداء للصناديق الحكومية الاستثمارية أن تفتح المجال للمواطنين والمقيمين - سيما وأن أغلبهم لايملك مهارة الإدخار والاستثمار - ليكونوا شركاء معهم في قنوات الاستثمارات المتاحة والمربحة حقا بدرجات تصنيف للمخاطرة . لكي يستفيد الناس من ناحيتين الأولى تعويدهم على الإدخار . وثانيا مساعدتهم وتحفيزهم على الاستثمار بدلا من تضييع أو توظيف أموالهم مع شركات خاسرة أو أشخاص غير مؤهلين.
وأنا حددت الصناديق الحكومية لأن الصناديق البنكية ثبت عند الناس عدم جدواها الربحية. بدليل عدم إنتشار صيتها أو امتداحها بالمجالس كما هو الحال في أي نشاط أو فرصة استثمارية مربحة .
ويمكن هنا للصناديق الحكومية أن تفتح الاكتتاب بصناديق مقفلة أو بالبورصة لطرح المشاريع العامة ذات العوائد الربحية المرتفعة والمميزة مثل مشروع المترو وقطار الحرمين أو مدينة نيوم أو مشروع القدية أو المنشآت الرياضية والصناعية وغيرها الكثير . ونضمن أيضا محافظة الناس على هذه الممتلكات ليس بالشعارات فقط بل لأنهم دفعوا أموالهم في تأسيسها. دمتم بود