سعدت بدعوة مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني للمشاركة في ملتقى تطوير "الرياضة المدرسية"، بمشاركة مجموعة من كبار المسؤولين في وزارة التعليم وشركة تطوير (الجهة المنظمة) والاتحاد السعودي للرياضة المدرسية وعدد كبير من المعلمين والمشرفين والمدربين الرياضيين واللاعبين والإعلاميين الرياضيين.

كانت فرصة رائعة للحوار والاستفادة من آراء المختصين، وسأطرح بين يديكم اليوم مختصراً لما دار في إحدى الجلسات التي تشرفت بالمشاركة فيها مع بعض المقترحات التطويرية للرياضة المدرسية لتشمل تعزيز صحة الطلاب وتخفيض نسب الأمراض المزمنة في المجتمع المدرسي وتوعية المدرسين والطلاب بالأمراض ذات العلاقة بسوء التغذية وقلة النشاط البدني وضعف اللياقة وكيفية تداركها والوقاية منها.

من المعلومات التي فاجأت الجميع ما طرحه سعادة الرئيس التنفيذي لشركة "تطوير" بأن أقل من 8 % من طلاب المدارس يزاولون الأنشطة، وتمت مناقشة أسباب عدم مزاولة الرياضة منها عدم توفر الملاعب وعدم تهيئة أماكن مزاولة الرياضة وعزوف بعض الطلاب عن الرياضة لقناعات خاطئة وأسباب تتعلق بالطلاب أنفسهم مثل زيادة الوزن والسمنة التي تجعل الطالب يحجم عن مزاولة الرياضة لعدم لياقته البدنية وتجنباً للتعليقات السلبية من الطلاب.

في المحور الثاني من ذلك الملتقى تحدثنا عن الأخطار الصحية التي تواجه أبناءنا وبناتنا الطلاب نتيجة سوء النمط الصحي الحياتي ومن ضمنه التغذية غير الصحية وضعف اللياقة البدنية وعدم مزاولة النشاط البدني، واقترحنا مجموعة من الحلول، من أهمها بناء أنظمة متكاملة لتعزيز الصحة بالاستعانة بالخبراء المختصين الصحيين والتربويين والمختصين في النشاط البدني من أساتذة الجامعات والمراكز الصحية والرياضية والبحثية المتخصصة.

تعزيز مبدأ الصحة واللياقة مدى الحياة في المدارس والجامعات مهم جداً لغرس أسس الاهتمام بالصحة في كل الأحوال والأماكن ونشر ذلك المفهوم ليشمل الأسرة أيضاً وهي الرافد الأساسي للتربية والتعليم.

من أهم وسائل تحفيز المجتمع بدءًا بالطلاب للاهتمام بصحتهم من خلال التغذية السليمة والنشاط البدني والرعاية الصحية الشخصية هو التعريف بخطر الأمراض ذات العلاقة بسوء التغذية والنشاط البدني وكيفية تجنبها والوقاية منها، وأفضل وسيلة لتحقيق ذلك تخصيص مقرر بمسمى ”الصحة واللياقة“ لكافة المراحل الدراسية بما فيها الجامعات، ويتم بناؤه بمواضيع متدرجة عن الصحة والتغذية والنشاط البدني وتقييم أداء الطلاب فيه، ففي كل مرحلة دراسية يتم التركيز على مهارات وممارسات صحية معينة تشمل المعارف والعلوم والمهارات المتعلقة بالأمراض المزمنة والمعدية وطرق العناية الصحية الشخصية وتعزيز الصحة الفردية والأسرية، ويمكن أن يكون المنهج إليكترونيا يتضمن مقاطع فيديو تعليمية عن الأمراض والوقاية منها والأنشطة البدنية المناسبة لكل مرحلة.

الوضع الحالي هو تكليف معلمي مواد العلوم ومواد أخرى بالإشراف الصحي على الطلاب بعد تقديم بعض الدورات القصيرة لهم، وأعتقد أن ذلك لن يحقق الأهداف وهو مرهق للكادر التعليمي في المدرسة والأصح هو تعيين مرشدين صحيين مؤهلاتهم صحية معتمدة من الهيئة السعودية للتخصصات الصحية (تمريض، تثقيف صحي، تغذية علاجية، صحة أسنان ) بالإضافة لأخصائيين نفسيين واجتماعيين ومدربي لياقة بدنية، ويكون من ضمن مسؤولياتهم توعية المعلمين والطلاب بالممارسات الصحية السليمة والتوعية بالأمراض المحتملة التي قد تصيبهم وسبل الوقاية منها، وإجراء الفحوص المبدئية ومتابعتها الدوري للطلاب والاحتفاظ بسجلاتهم الصحية، والتنسيق مع المراكز الصحية لتسهيل مهمتهم العلاجية والوقائية، وهذه خطوة جبارة في الاكتشاف المبكر للأمراض والوقاية منها وتحويل الطلاب المرضى للجهات الصحية لمتابعتهم.

لا شك أن الهدم أسهل من البناء، فلا يمكن بناء صحة جيدة ولياقة بدنية لطلابنا من خلال مزاولة الأنشطة البدنية في وجود الأغذية غير الصحية في مقاصف المدارس، ولهذا لابد من إلغاء المقاصف المدرسية وإبدالها بالمطاعم المدرسية الصحية، و هي تجربة أثبتت نجاحها في كثير من الدول المتقدمة والنامية، وقد ثبت أن أغذية المقاصف المدرسية أحد مسببات السمنة وبعض الأمراض الأخرى لكثير من الطلاب مثل نقص العناصر الغذائية مثل فيتامين د والحديد والكالسيوم وكثير من الفيتامينات الضرورية.

من أهم المقترحات التي لاقت صدى كبيراً بين الحضور ونالت عدداً من المداخلات الإيجابية هو تغيير مصطلح "الرياضة المدرسية" الى مصطلح "النشاط البدني المدرسي"، فمصطلح "النشاط البدني" هو المصطلح العلمي الدقيق الذي يحقق الأهداف الصحية والتربوية التي وضعت من أجله، وهو الأفضل لما يجب تطبيقه في مدارس البنين والبنات، وهو المصطلح الذي يستخدم عالمياً والأوضح لتقبل الأسرة والمجتمع للنشاط البدني وتحفيزهم لأبنائهم وبناتهم للمشاركة فيه والاستفادة منه.

في المقابل لا يصف مصطلح "الرياضة المدرسية" التطبيق العملي ولا يحقق الأهداف التربوية أو الصحية التي وضعتها وزارتا التعليم والصحة، ولا يتماشى مع التوجهات العالمية ولا رؤية المملكة 2030 كما أن بعض أفراد المجتمع لا يتقبلون ذلك المصطلح لوجود مفهوم غير دقيق عنه.

الرياضة أم النشاط البدني

عندما تسمع عبارة "حصة الرياضة" ماذا ينطبع في ذهنك؟

أتوقع أنك ستتخيل طلاباً يلعبون كرة قدم، وربما بطريقة غير منظمة..

وهذا المفهوم قديم بقدم التعليم، فكنا قبل عشرات السنين نفهم أن درس الرياضة نوع من الترفيه "لعب كورة" بطريقة "طقها والحقها"، وقد حاول معلمو التربية البدنية تغيير ذلك المفهوم الخاطئ وتصحيحه ولم يفلحوا.

ويجمع المعلمون أن دروس (الرياضة) لا تحقق أهدافها كاملة لكونها ساعة أو ساعتين في الأسبوع، لا تعلم مهارات بدنية يستطيع الطلاب مزاولتها حسب رغباتهم، تركز على كرة القدم فقط وأحيانا بعض الألعاب الأخرى إن وفقت المدرسة في معلم نشط ومتفرغ.

الطلاب يحبون تلك الحصة وينتظرونها بفارغ الصبر طول الأسبوع، وربما يعود حبهم لها لكونها تعني الخروج من القاعة الصفية والترفيه وعدم الانضباط، وهذا مفهوم مخالف لأهداف المقرر الدارسي وتوجه معلمي التربية البدنية وقادة المدارس.

حصر الرياضة المدرسية في هذا المفهوم الضيق أساء للمقرر الدراسي ولم يحقق أهدافه، ولهذا يختلف مفهوم الرياضة عن النشاط البدني والتمارين، فالرياضة مهارة يمارسها الرياضي بموجب قواعد متفق عليها بهدف الترفيه أو المنافسة أو المتعة أو التميز أو تطوير المهارات، وتختلتف أهداف كل رياضة عن الأخرى من حيث طريقة مزاولتها (فردية أو جماعية) بالإضافة إلى ما يضيفه اللاعبون أو الفرق من تأثير على رياضاتهم، و تتضمن مجموعة مهارات مختلفة قد لا يتقنها الكثيرون، بل الرياضي في لعبة معينة قد لا يتقن مهارات لعبة أخرى فالرياضة إذاً مهارة متخصصة يجيدها فئة محدودة، ولكن النشاط البدني يتضمن جميع النشاطات اليومية مثل المشي أو الجري أو صعود الدرج أو ركوب الدراجة الهوائية وأيضاً يشمل الأعمال البدنية في الحياة اليومية والترفيهية ومزاولة التمارين المختلفة التي تمكن الجسم من التخلص من السعرات الزائدة وتقوية الجسم ورفع مستوى اللياقة، وذلك حسب نوع النشاط وطريقة تطبيقه، إذاً النشاط البدني هو المسؤول عن التخلص من السمنة وتعزيز الصحة ورفع كفاءة الجسم.

هناك مصطلح ثالث وهو "التمارين" وهي عبارة عن مجهود جسدي يعتمد على حركات متكررة يراد بها التعزيز والمحافظة على اللياقة البدنية، بما في ذلك تقوية العضلات ونظام القلب والأوعية الدموية، وصقل المهارات الرياضية، وفقدان الوزن أو الحفاظ عليه.

من فوائد الرياضة المدرسية سابقاً اكتشافها للاعبين الموهوبين ولكن (كما يذكر أحد النجوم السابقين في منتخبنا الوطني الذي شارك باللقاء) أنه لم تعد المدارس هي الهدف الأول لاكتشاف المواهب الرياضية لعدة أسباب منها عدم الاهتمام بالألعاب الرياضية المدرسية كما كان في السابق.

الرياضة المدرسية تعزز صحة الطلاب وتساهم في تخفيض نسب الأمراض المزمنة
زيادة الوزن والسمنة تجعل الطالب يحجم عن مزاولة الرياضة
لابد من بناء أنظمة متكاملة لتعزيز الصحة والاستعانة بالمختصين