مقتل القاضي الشيخ محمد الجيراني، عمل أراد منه الإرهابيون إيصال رسالة واضحة: أن من يعارضنا، سيكون مصيره الموت!.

الخيانة، العمالة، توهين المذهب.. كلها أسباب "واهية"، ستجد القتلة يسوقونها لتبرير جريمتهم، التي وقف المجتمع في القطيف بكافة مكوناته رافضاً لها، بوضوح لا لبس فيه.

القاضي السابق الشيخ عبدالله الخنيزي، والشيخ حسن الصفار، كلاهما أصدرا بيانين منفصلين أدانا فيه الجريمة. يضاف إليهما نحو 130 شخصية علمائية واجتماعية، وقعت بياناً رافضاً للإرهاب.

ردود الفعل السريعة تشير إلى أن رسالة الإرهابيين لم ترهب أحداً، ولم تنجح في جعل الشخصيات الوطنية تلوذ بالصمت خوفاً. بل زاد عدد المجاهرين صراحة ضد العنف والرافضين له.

القضاء في المجتمع المحلي منصب له احترام كبير، ورمزية مهمة، وكان لفترات طويلة محصن من الانتهاكات التي وقعت مؤخراً.

الفراغ الذي حصل بعيد مقتل الجيراني، يريد له الإرهابيون أن يستمر، كي يستطيعوا تسويق الدعاية السوداء التي تخدم أهدافهم. من هنا، من المهم لقطع الطريق عليهم، أن يتم ترشيح شخصية قوية تخلف الجيراني، تكون على قدر كبير من العلم، والفقاهة، والحكمة، وتحظى باحترام الجمهور العام والمؤسسات الرسمية. تمتاز بالوعي والانفتاح، والانسجام مع رؤية المملكة 2030، في إرساء دعائم سيادة القانون، وتحقيق مجتمع مدني حديث.

أي شخصية لا تحمل هذه المواصفات، سوف تكون هدفاً سهلاً للمتشددين وخطاباتهم المناهضة للاستقرار، وسيستطيعون التصويب عليها وإسقاطها اجتماعياً وسياسياً.

تاريخياً مكانة القاضي العلمية وقوته، كانت ضمانة استقرار، وجسراً حقيقياً للتواصل بين الناس والأجهزة الرسمية، بما يضمن مصالح الناس ويحفظ أموالهم وأعراضهم.

القاضي الراحل الشيخ محمد صالح المبارك، والذي كان فقيهاً، بقي في منصب نحو 18 عاماً، حتى سنة 1974. وهو يمثل نموذج القاضي الذي له كلمته "الحازمة" و"النافذة" عند عموم الناس، وعلاقته الجيدة مع إمارة المنطقة الشرقية حينها، إضافة لاحترامه لدى الراحلين الملك سعود بن عبدالعزيز، والملك فيصل بن عبدالعزيز، حيث كان يتواصل مع القيادة السياسية للبلاد، من أجل قضاء حوائج الناس، أو حل بعض المشكلات التي يلجأ له أبناء المنطقة فيها، لضمان الاستقرار والأمن، وتمتين اللحمة بين الشعب ومؤسسات الدولة.

ولي العهد –حينها – الأمير فيصل بن عبدالعزيز، وأثناء زيارته محلة القلعة بالقطيف، رفقة الأمير عبدالله عبد العزيز، زار القاضي المبارك في منزله، في دلالة على العلاقة بين مؤسسة الحكم والقضاء، والثقة والتقدير.

هذا النوع من الشخصيات العلمية، هي ما يمكن أن تشكل ضمانة تحفظ "القضاء" من الإجرام الذي لحقه على يد الإرهابيين. لأنها ستكون لديها القوة لأن تقف في وجه أي خطابات متشددة، وقادرة على تشييد وعي مجتمعي بأهمية القانون وحاكميته.