عندما تتواصل المجتمعات تؤثر بعضها في بعض وهذا التواصل لا يؤدي إلى تأثير من جانب واحد فحسب بل إلى تفاعل وتبادل من الجوانب المختلفة لذا كل ما كانت المجتمعات المتواصلة متقاربة كان التبادل بينها أشمل واكثر تنوعا لأنه لا يقتصر على الأشياء المادية فحسب بل يتعداها إلى المضامين الفكرية والثقافية والعلمية..

استكمالا لحديثنا السابق عن منطقة آسيا ذلك ان تتلمذنا العلمي على الغرب حجبنا عن تنويع مصادرنا الفكرية والثقافية وبالذات في دائرة الدراسات والبحوث وقد آن الأوان أن نفتح أفقاً معرفياً على كنوز الحضارات والثقافات بين المداخل النظرية والدراسات الميدانية في اتجاه تنضيج فكرة الانفتاح الواعي على أدوار التاريخ البشري واكتشاف كوامن الوجود الإنساني لكي نكون شاهدين على مكتسبات الحضارات فإذا نظرنا حولنا وجدنا تبدلا متلاحقا في العالم فأدوار التغير السريع تعصف بالمجتمعات الإنسانية فالمجتمع الإنساني اخذ في التقدم يضيف كل يوم جديدا إلى رصيده من العلم والمعرفة والخبرة ويجدر بنا أن نبادر إلى توفير منطلقات ثابتة تسهم في تأسيس حركة تواصل ثقافي عالمي يجمع الأشتات الإنسانية في دورة من التعارف الحضاري يصنع للحياة الطاقات الفكرية القادرة على الدخول في المناقشات الدائرة حول العالم كما فعل الادب العربي المهجري والذي ترك اثرا كبيرا على الحياة الأدبية العالمية.

فالثقافة العربية والإسلامية تداخلت تاريخيا مع مجتمعاتها المعاصرة بالمناظرات والمحاورات التي عرفت بين أهل الفقه والعقيدة والحديث والتفسير وأهل اللغة والنحو والأدب وأهل العلوم الطبيعية.

ونجدنا مدفوعين على التأكيد على المعرفة الشاملة والنظرة الحضارية والتاريخ يدلل على ان الوعي بالمجتمعات مبعث الحيوية والتجدد ومصدر التقدم والرقي الحضاري فنقل الأفكار والآراء والمشاعر بأدوات التواصل المستحدثة بين المجتمعات والحضارات صار واقعا فلم يعد العالم في هذا العصر سهل الانعزال بل صار شبكة حية تستدعي ادنى وخزة في جزء منها استجابة في جزء آخر.

فالمجتمعات البشرية وما أفرزته من حضارات هي فتوحات إنسانية ذلك انه من خصائص المبتدعات الحضارية أنها لا تنحصر ضمن مواطنها التي تظهر فيها بل تخترق حدود هذه المواطن وتسري إلى غيرها فتنتشر في ما حولها ويكون مدى انتشارها تابعا لقوة نفاذها من جهة ولاستعداد غيرها لتقلبها من جهة أخرى.

والواقع ان التقدم التقني الذي نشهده قد قوّى جميع وسائل التواصل بين المجتمعات بالذات في نقل المشاعر والاراء والأفكار.

وعندما تتواصل المجتمعات تؤثر بعضها في بعض وهذا التواصل لا يؤدي إلى تأثير من جانب واحد فحسب بل إلى تفاعل وتبادل من الجوانب المختلفة لذا كل ما كانت المجتمعات المتواصلة متقاربة كان التبادل بينها أشمل واكثر تنوعا لأنه لا يقتصر على الأشياء المادية فحسب بل يتعداها إلى المضامين الفكرية والثقافية والعلمية لأن المجتمع الواثق بذاته لا يخشى الانفتاح على الاقوام الأخرى ولا العناصر الجديدة فالمجتمع المنفتح يؤمن بمقدرته على الاختيار والمجتمع الراكد لا يتحرك إلى الجديد الا إذا فرض عليه فهو مقفل على ذاته فالمجتمع المقفل ليس مهيئا للاقتباس والأخذ والمبادلة واذا اقتبس اتجه إلى الاشكال والظواهر اكثر منه إلى المضامين اما المجتمعات المنفتحة فهي مستعدة للأخذ والتواصل والتفاعل.

واذا اردنا مثلا للتبادل والاقتباس المنفتح ما حدث عندما اتصلت بريطانيا بالهند في هذه اللحظات نستحضر رؤية المفكر السياسي همايون كبير والتي هي عبارة عن محاضرات القاها في جامعة أكسفورد تناول فيها جوهر الاتفاق والاختلاف بين المجتمعات الهندية والإنكليزية يقول همايون : لقد فرض التأثير الإنجليزي على الهند أسلوباً جديداً في التفكير والسلوك فالأفكار الغربية ذات طابع تجريبي دخلت في صراع مع الأفكار الهندية السائدة والجامدة فالعلوم الغربية ركزت على الواقع وتقويمه ولذلك اصطدمت النزعة الهندية التي تهتم بالدائم بنظرة البريطانيين للمؤقت فإذا كان البريطاني بطبعه يميل إلى الحاضر ولا يعني في التفكير في المستقبل فإن الهندي يشغل وقته في التفكير في المستقبل وذلك يؤدي به إلى تضييع فرص الحاضر لقد زعزت الأفكار الغربية السيادة القديمة لأسفار الفيدا ونظام الطبقات وتشريعات مانو والخرافة والإسطورة والأشباح فأفكار القرن التاسع العشر قضت على العادات والأعراف والنظم الاجتماعية ومن تأثرات الأفكار الإنجليزية هو انه لم تكن لدى الهنود في ذلك الوقت فكرة عن القومية بمعناها الحديث لان الرأسمالية والدولة القومية التي صاغها البريطانيون فكرتان نمت إحداهما إلى جانب الأخرى . ومع ذلك فإن فكرة القومية اثرت تأثيرا عميقا في الوعي الهندي وكان اثرها اشد ما يكون قوة في الجيل الجديد فهذا الجيل يتلقى التأثيرات الفكرية بصورة مباشرة كما ان كفاءتهم ومقدرتهم الذهنية تمكنهم مع التفاعل مع التأثيرات التي يتعرضون لها, اضف إلى كل ذلك انهم متحررون نسبيا من تحفظات ذوي المصالح الثابنة وهم يطالعون ما كتب عما حققته النظم القائمة عن القومية من التقدم في الغرب فيتراءى لهم ان الانتصارات التي سجلتها هذه الدول انما تعود إلى اعتمادها على مبدأ القومية .

ومن تأثيرات الأفكار الإنجليزية في الهند انها عززت التأكيد المتزايد للديمقراطية إلا انه من الخطأ ان يتوهم انسان ان الديمقراطية لم تكن معروفة في الهند لان المجالس القروية التي عرفتها الهند منذ اقدم العصور تعكس نظاما ديمقراطيا قلما وجد ما هو افضل منه بل ان النظام مكّن الافراد من النهوض والترقي اجتماعيا لكن نظام الطبقات انحرف عن جادة الطريق الديمقراطية عندما اخذ يركز اهتمامه على ارومة الفرد ومولده بدلا من التركيز في مهنته وعمله.

لكن على الرغم من كل ذلك فإن الديمقراطية لم يكتب لها ان تكون عاملا حاسما في حياة الهند السياسية لأن العقلية الهندية تستهويها الأفكار المجردة التي تتسم بطابع الشمول وقلما تهتم بوجود الفرد ويتجلى ميل العقلية الهندية إلى ابراز العام على حساب الخاص في ديانتها وفنونها ومذاهبها الفلسفية فإن الديانات الهندية تبدي تسامحا إزاء الفوارق الاجتماعية وتساهلا إزاء عدم المساواة القائمة بين الافراد وهي تنظر إلى الفرد بوصفه جزءا فانيا في الكل .